Skip to Content
Loading...
Admin Talaqqi
Admin Talaqqi
Online
Halo 👋
Ada yang bisa dibantu?

MATAN KITAB KIFAYATUL AWWAM

 

كِفَايَةُ الْعَوَامِّ

فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ

 

تَأْلِيفُ: 

الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدٍ الْفَضَالِيِّ الشَّافِعِيِّ الْأَزْهَرِيِّ

 


 

مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْفَرِدِ بِالْإِيجَادِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ الْعِبَادِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْبَهْجَةِ وَالرَّشَادِ، وَبَعْدُ:

فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ الْمُتَعَالِي: مُحَمَّدُ بْنُ الشَّافِعِيِّ الْفَضَالِيُّ الشَّافِعِيُّ: قَدْ سَأَلَنِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ أَنْ أُؤَلِّفَ رِسَالَةً فِي التَّوْحِيدِ، فَأَجَبْتُهُ إِلَى ذَلِكَ نَاحِيًا نَحْوَ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ السَّنُوسِيِّ فِي تَقْرِيرِ الْبَرَاهِينِ غَيْرَ أَنِّي أَتَيْتُ بِالدَّلِيلِ بِجَانِبِ الْمَدْلُولِ وَزِدْتُهُ تَوْضِيحًا لِعِلْمِي بِقُصُورِ هَذَا الطَّالِبِ، فَجَاءَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى رِسَالَةً مُفِيدَةً، وَلِتَقْرِيرِ مَا فِيهَا مَجِيدَةً، وَسَمَّيْتُهَا: كِفَايَةَ الْعَوَامِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ.

وَاللَّهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهَا، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.


 

مُقَدِّمَةٌ عَامَّةٌ فِي بَيَانِ عَدَدِ الْعَقَائِدِ وَأَدِلَّتِهَا

اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرِفَ خَمْسِينَ عَقِيدَةً، وَكُلُّ عَقِيدَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ لَهَا دَلِيلًا إِجْمَالِيًّا أَوْ تَفْصِيلِيًّا.

قَالَ بَعْضُهُمْ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ الدَّلِيلَ التَّفْصِيلِيَّ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي الدَّلِيلُ الْإِجْمَالِيُّ لِكُلِّ عَقِيدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِينَ.

وَالدَّلِيلُ التَّفْصِيلِيُّ: مِثَالُهُ إِذَا قِيلَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى؟ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ.فَيَقُولُ لَهُ السَّائِلُ: الْمَخْلُوقَاتُ دَالَّةٌ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ إِمْكَانِهَا أَوْ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهَا بَعْدَ عَدَمٍ، فَيُجِيبُهُ.وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُجِبْهُ، بَلْ قَالَ لَهُ: هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ فَقَطْ، وَلَمْ يَعْرِفْ مِنْ جِهَةِ إِمْكَانِهَا أَوْ وُجُودِهَا بَعْدَ عَدَمٍ، فَيُقَالُ لَهُ: دَلِيلٌ إِجْمَالِيٌّ، وَهُوَ كَافٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

وَأَمَّا التَّقْلِيدُ وَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ الْعَقَائِدَ الْخَمْسِينَ، وَلَمْ يَعْرِفْ لَهَا دَلِيلًا إِجْمَالِيًّا أَوْ تَفْصِيلِيًّا، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ:

  • فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكْفِي التَّقْلِيدُ وَالْمُقَلِّدُ كَافِرٌ.وَذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالسَّنُوسِيُّ، وَأَطَالَ فِي شَرْحِ الْكُبْرَى فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِكِفَايَةِ التَّقْلِيدِ.
  • لَكِنْ نُقِلَ أَنَّ السَّنُوسِيَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ بِكِفَايَةِ التَّقْلِيدِ، لَكِنْ لَمْ نَرَ فِي كُتُبِهِ إِلَّا الْقَوْلَ بِعَدَمِ كِفَايَتِهِ.

بَيَانُ الْمُقَدِّمَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمَنْطِقِيَّةِ

اعْلَمْ أَنَّ فَهْمَ الْعَقَائِدِ الْخَمْسِينَ الْآتِيَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحِيلِ وَالْجَائِزِ:

  • الْوَاجِبُ: هُوَ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ، أَيْ: لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِعَدَمِهِ، كَالتَّحَيُّزِ لِلْجِرْمِ، أَيْ: أَخْذِهِ قَدْرًا مِنَ الْفَرَاغِ، وَالْجِرْمُ كالشَّجَرِ وَالْحَجَرِ.فَإِذَا قَالَ لَكَ شَخْصٌ: إِنَّ الشَّجَرَةَ لَمْ تَأْخُذْ مَحَلًّا مِنَ الْأَرْضِ مَثَلًا، لَا يُصَدِّقُ عَقْلُكَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ أَخْذَهُ مَحَلًّا وَاجِبٌ لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِعَدَمِهِ.
  • الْمُسْتَحِيلُ: هُوَ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ أَيْ: لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِوُجُودِهِ.فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْجِرْمَ الْفُلَانِيَّ خَالٍ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ مَعًا، لَا يُصَدِّقُ عَقْلُكَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ خُلُوَّهُ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ مُسْتَحِيلٌ لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِوُقُوعِهِ وَوُجُودِهِ.
  • الْجَائِزُ: هُوَ الَّذِي يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِوُجُودِهِ تَارَةً وَبِعَدَمِهِ أُخْرَى، كَوُجُودِ وَلَدٍ لِزَيْدٍ.فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ زَيْدًا لَهُ وَلَدٌ جَوَّزَ عَقْلُكَ صِدْقَ ذَلِكَ، وَإِذَا قَالَ: إِنَّ زَيْدًا لَا وَلَدَ لَهُ جَوَّزَ عَقْلُكَ صِدْقَ ذَلِكَ، فَوُجُودُ وَلَدٍ لِزَيْدٍ وَعَدَمُهُ جَائِزٌ يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِوُجُودِهِ وَعَدَمِهِ.

فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فَهْمُ الْعَقَائِدِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، لِأَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ يَكُونُ وَاجِبًا.بَلْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ فَهْمَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ هِيَ نَفْسُ الْعَقْلِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، أَيْ: لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى الْوَاجِبِ وَمَعْنَى الْمُسْتَحِيلِ وَمَعْنَى الْجَائِزِ فَلَيْسَ بِعَاقِلٍ.

فَإِذَا قِيلَ هُنَا: الْقُدْرَةُ وَاجِبَةٌ لِلَّهِ، كَانَ الْمَعْنَى قُدْرَةَ اللَّهِ لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِعَدَمِهَا، لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِعَدَمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.وَأَمَّا الْوَاجِبُ بِمَعْنَى مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، فَهُوَ مَعْنَى آخَرَ لَيْسَ مُرَادًا فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ، فَلَا يَشْتَبِهْ عَلَيْكَ الْأَمْرُ.نَعَمْ، لَوْ قِيلَ: يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اعْتِقَادُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ الْمَعْنَى يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ.فَفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: اعْتِقَادُ كَذَا وَاجِبٌ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: الْعِلْمُ مَثَلًا وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ: الْعِلْمُ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى، كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِعَدَمِهِ.وَأَمَّا إِذَا قِيلَ: اعْتِقَادُ الْعِلْمِ وَاجِبٌ، كَانَ الْمَعْنَى يُثَابُ إِنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ، وَيُعَاقَبُ إِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ، فَاحْرِصْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.وَلَا تَكُنْ مِمَّنْ قَلَّدَ فِي عَقَائِدِ الدِّينِ فَيَكُونَ إِيمَانُكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَتُخَلَّدَ فِي النَّارِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: لَا يَكْفِي التَّقْلِيدُ.

قَالَ السَّنُوسِيُّ: وَلَيْسَ يَكُونُ الشَّخْصُ مُؤْمِنًا إِذَا قَالَ: أَنَا جَازِمٌ بِالْعَقَائِدِ، وَلَوْ قُطِّعْتُ قِطَعًا قِطَعًا لَا أَرْجِعُ عَنْ جَزْمِي هَذَا، بَلْ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَعْلَمَ كُلَّ عَقِيدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِينَ بِدَلِيلِهَا.

أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْعِلْمِ وَإِجْمَالُ الْعَقَائِدِ الْخَمْسِينَ

وَتَقْدِيمُ هَذَا الْعِلْمِ فَرْضٌ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْعَقَائِدِ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ أَسَاسًا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِوُضُوءِ الشَّخْصِ أَوْ صَلَاتِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهَذِهِ الْعَقَائِدِ أَوْ جَازِمًا بِهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ.

وَإِذَا قِيلَ: الْعَجْزُ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ تَعَالَى، كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَجْزَ لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِوُقُوعِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَوُجُودِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي بَاقِي الْمُسْتَحِيلَاتِ.وَإِذَا قِيلَ: رَزَقَ اللَّهُ زَيْدًا بِدِينَارٍ يُقَالُ جَائِزٌ، كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِوُجُودِهِ تَارَةً وَبِعَدَمِهِ أُخْرَى.

وَلْنَذْكُرْ لَكَ الْعَقَائِدَ الْخَمْسِينَ مُجْمَلَةً قَبْلَ ذِكْرِهَا مُفَصَّلَةً: فَاعْلَمْ أَنَّهُ:

  • يَجِبُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِشْرُونَ صِفَةً.
  • وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عِشْرُونَ.
  • وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ أَمْرٌ وَاحِدٌ.فَهَذِهِ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ.
  • وَيَجِبُ لِلرُّسُلِ أَرْبَعَةٌ.
  • وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةٌ.
  • وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمْرٌ وَاحِدٌ.فَهَذِهِ الْخَمْسُونَ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ الْكَلَامِ عِنْدَ ذِكْرِهَا مُفَصَّلَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْأَوَّلُ مِنَ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ لَهُ تَعَالَى: الْوُجُودُ

تَعْرِيفُ الْوُجُودِ عِنْدَ غَيْرِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ

وَاخْتَلَفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ غَيْرُ الْإِمَامِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ: الْوُجُودُ هِيَ الْحَالُ الْوَاجِبَةُ لِلذَّاتِ مَا دَامَتِ الذَّاتُ، وَهَذِهِ الْحَالُ لَا تُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ.

وَمَعْنَى كَوْنِهِ حَالًا أَنَّهَا لَمْ تَرْتَقِ إِلَى دَرَجَةِ الْمَوْجُودِ حَتَّى تُشَاهَدَ وَلَمْ تَنْحَطَّ إِلَى دَرَجَةِ الْمَعْدُومِ حَتَّى تَكُونَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ هِيَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ، فَوُجُودُ زَيْدٍ مَثَلًا حَالٌ وَاجِبَةٌ لِذَاتِهِ، أَيْ: لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا.وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: لَا تُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ: أَنَّهَا لَمْ تَنْشَأْ عَنْ شَيْءٍ بِخِلَافِ كَوْنِ زَيْدٍ قَادِرًا مَثَلًا، فَإِنَّهُ نَشَأَ عَنْ قُدْرَتِهِ.

فَكَوْنُ زَيْدٍ قَادِرًا مَثَلًا وَوُجُودُهُ حَالَانِ قَائِمَانِ بِذَاتِهِ غَيْرُ مَحْسُوسَيْنِ بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ عِلَّةٌ يَنْشَأُ عَنْهَا، وَهِيَ الْقُدْرَةُ، وَالثَّانِي لَا عِلَّةَ لَهُ، وَهَذَا ضَابِطٌ لِلْحَالِ النَّفْسِيَّةِ.

وَكُلُّ حَالٍ قَائِمَةٍ بِذَاتٍ غَيْرِ مُعَلَّلَةٍ بِعِلَّةٍ تُسَمَّى صِفَةً نَفْسِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي لَا تُعْقَلُ الذَّاتُ بِدُونِهَا، أَيْ: لَا تُتَصَوَّرُ الذَّاتُ بِالْعَقْلِ وَتُدْرَكُ إِلَّا بِصِفَتِهَا النَّفْسِيَّةِ كَالتَّحَيُّزِ لِلْجِرْمِ، فَإِنَّكَ إِنْ تَصَوَّرْتَهُ وَأَدْرَكْتَهُ أَدْرَكْتَ أَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ.وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ كَوْنُ الْوُجُودِ حَالًا، فَذَاتُ اللَّهِ غَيْرُ وُجُودِهِ وَذَوَاتُ الْحَوَادِثِ غَيْرُ وُجُودَاتِهَا.

تَعْرِيفُ الْوُجُودِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَشْعَرِيِّ

وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: الْوُجُودُ عَيْنُ الْمَوْجُودِ.فَعَلَى هَذَا وُجُودُ اللَّهِ عَيْنُ ذَاتِهِ غَيْرُ زَائِدٍ عَلَيْهِ فِي الْخَارِجِ، وَوُجُودُ الْحَادِثِ عَيْنُ ذَاتِهِ.وَعَلَى هَذَا لَا يَظْهَرُ عَدُّ الْوُجُودِ صِفَةً، لِأَنَّ الْوُجُودَ عَيْنُ الذَّاتِ وَالصِّفَةُ غَيْرُ الذَّاتِ، بِخِلَافِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ جَعْلَهُ صِفَةً ظَاهِرٌ.

  • وَمَعْنَى وُجُوبِ الْوُجُودِ لَهُ تَعَالَى عَلَى الْأَوَّلِ: أَنَّ الصِّفَةَ النَّفْسِيَّةَ الَّتِي هِيَ: حَالٌ ثَابِتَةٌ لَهُ تَعَالَى.
  • وَمَعْنَاهُ عَلَى الثَّانِي: أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى مَوْجُودَةٌ مُحَقَّقَةٌ فِي الْخَارِجِ، بِحَيْثُ لَوْ كُشِفَ عَنَّا الْحِجَابُ لَرَأَيْنَاهَا.فَذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى مُحَقَّقَةٌ إِلَّا أَنَّ الْوُجُودَ غَيْرُهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَهِيَ هُوَ عَلَى الثَّانِي.

بَيَانُ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى

وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى حُدُوثُ الْعَالَمِ، أَيْ: وُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمٍ.وَالْعَالَمُ: أَجْرَامٌ، كَالذَّوَاتِ، وَأَعْرَاضٌ، كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْأَلْوَانِ.

وَإِنَّمَا كَانَ حُدُوثُ الْعَالَمِ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُوجِدٍ يُوجِدُهُ، لِأَنَّهُ قَبْلَ وُجُودِهِ كَانَ وُجُودُهُ مُسَاوِيًا لِعَدَمِهِ.فَلَمَّا وُجِدَ وَزَالَ عَدَمُهُ عَلِمْنَا أَنَّ وُجُودَهُ تَرَجَّحَ عَلَى عَدَمِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الْوُجُودُ مُسَاوِيًا لِلْعَدَمِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ تَرَجَّحَ عَلَى الْعَدَمِ بِنَفْسِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَهُ مُرَجِّحًا غَيْرَهُ وَهُوَ الَّذِي أَوْجَدَهُ، لِأَنَّ تَرَجُّحَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ مُحَالٌ.

مَثَلًا: زَيْدٌ قَبْلَ وُجُودِهِ، يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ فِي سَنَةِ كَذَا وَيَجُوزُ أَنْ يَبْقَى عَلَى عَدَمِهِ، فَوُجُودُهُ مُسَاوٍ لِعَدَمِهِ، فَلَمَّا وُجِدَ وَزَالَ عَدَمُهُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ عَلِمْنَا أَنَّ وُجُودَهُ بِمُوجِدٍ لَا مِنْ نَفْسِهِ.

فَحَاصِلُ الدَّلِيلِ أَنْ تَقُولَ: الْعَالَمُ مِنْ أَجْرَامٍ وَأَعْرَاضٍ حَادِثٌ، أَيْ مَوْجُودٌ بَعْدَ عَدَمٍ، وَكُلُّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، فَيَنْتُجُ أَنَّ الْعَالَمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَهَذَا الَّذِي يُسْتَفَادُ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ.وَأَمَّا كَوْنُ الْمُحْدِثِ يُسَمَّى بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ الشَّرِيفِ وَبِبَقِيَّةِ الْأَسْمَاءِ، فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، فَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَهَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي سَبَقَ وَهُوَ حُدُوثُ الْعَالَمِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى.وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ: فَاعْلَمْ أَنَّ الْعَالَمَ: أَجْرَامٌ وَأَعْرَاضٌ فَقَطْ، كَمَا تَقَدَّمَ.وَالْأَعْرَاضُ - كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ - حَادِثَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّكَ تُشَاهِدُهَا مُتَغَيِّرَةً مِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ، وَمِنْ عَدَمٍ إِلَى وُجُودٍ، كَمَا تَرَاهُ فِي حَرَكَةِ زَيْدٍ.فَإِنَّهَا تَنْعَدِمُ إِنْ كَانَ سَاكِنًا وَسُكُونُهُ يَنْعَدِمُ إِنْ كَانَ مُتَحَرِّكًا، فَسُكُونُهُ الَّذِي بَعْدَ حَرَكَتِهِ وُجِدَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعْدُومًا بِالْحَرَكَةِ، وَحَرَكَتُهُ الَّتِي بَعْدَ سُكُونِهِ وُجِدَتْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً بِسُكُونِهِ، وَالْوُجُودُ بَعْدَ الْعَدَمِ هُوَ الْحُدُوثُ، فَعَلِمْتَ أَنَّ الْأَعْرَاضَ حَادِثَةٌ.

وَالْأَجْرَامُ مُلَازِمَةٌ لِلْأَعْرَاضِ، لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَكُلُّ مَا لَازَمَ الْحَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ أَيْ: مَوْجُودٌ بَعْدَ عَدَمٍ، فَالْأَجْرَامُ حَادِثَةٌ أَيْضًا كَالْأَعْرَاضِ.

فَحَاصِلُ هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ تَقُولَ: الْأَجْرَامُ مُلَازِمَةٌ لِلْأَعْرَاضِ الْحَادِثَةِ، وَكُلُّ مَا لَازَمَ الْحَادِثَ حَادِثٌ، فَيَنْتُجُ: أَنَّ الْأَجْرَامَ حَادِثَةٌ.وَحُدُوثُ الْأَمْرَيْنِ - أَعْنِي الْأَجْرَامَ وَالْأَعْرَاضَ - أَيْ: وُجُودُهُمَا بَعْدَ عَدَمٍ: دَلِيلُ وُجُودِهِ تَعَالَى، لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَلَا مُحْدِثَ لِلْعَالَمِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي دَلِيلِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى.

وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الْإِجْمَالِيُّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مَعْرِفَتُهُ كَمَا يَقُولُهُ: ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالسَّنُوسِيُّ، وَيُكَفِّرَانِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَاحْذَرْ أَنْ يَكُونَ فِي إِيمَانِكَ خِلَافٌ.

الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْقِدَمُ

وَمَعْنَاهُ: عَدَمُ الْأَوَّلِيَّةِ، فَمَعْنَى كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمًا، أَنَّهُ لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ بِخِلَافِ زَيْدٍ مَثَلًا، فَوُجُودُهُ لَهُ أَوَّلٌ، وَهُوَ خَلْقُ النُّطْفَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا.

وَاخْتُلِفَ: هَلِ الْقَدِيمُ وَالْأَزَلِيُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ مُخْتَلِفَانِ؟

  • فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ عَرَّفَهُمَا بِقَوْلِهِ: مَا لَا أَوَّلَ لَهُ أَوْ يُفَسِّرُ مَا بِشَيْءٍ، أَيِ: الْقَدِيمُ وَالْأَزَلِيُّ الشَّيْءُ الَّذِي لَا أَوَّلَ لَهُ، فَيَشْمَلُ ذَاتَ اللَّهِ وَجَمِيعَ صِفَاتِهِ.
  • وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي عَرَّفَ الْقَدِيمَ بِقَوْلِهِ: مَوْجُودٌ لَا أَوَّلَ لَهُ، وَعَرَّفَ الْأَزَلِيَّ بِمَا لَا أَوَّلَ لَهُ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أَوْ غَيْرَ مَوْجُودٍ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقَدِيمِ.

فَيَجْتَمِعَانِ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الْوُجُودِيَّةِ، فَيُقَالُ لِذَاتِهِ تَعَالَى: أَزَلِيَّةٌ، وَلِقُدْرَتِهِ تَعَالَى: أَزَلِيَّةٌ، وَيَنْفَرِدُ الْأَزَلِيُّ فِي الْأَحْوَالِ كَكَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى الْقَوْلِ بِهَا، فَإِنَّ كَوْنَ اللَّهِ تَعَالَى قَادِرًا يُقَالُ لَهُ: أَزَلِيٌّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا يُقَالُ لَهُ: قَدِيمٌ لِمَا عَرَفْتَ أَنَّ الْقَدِيمَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْوُجُودِ، وَالْكَوْنُ قَادِرًا لَمْ يَرْتَقِ إِلَى دَرَجَةِ الْوُجُودِ لِأَنَّهُ حَالٌ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى قِدَمِهِ تَعَالَى: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا كَانَ حَادِثًا، لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، فَكُلُّ شَيْءٍ انْتَفَى عَنْهُ الْقِدَمُ ثَبَتَ لَهُ الْحُدُوثُ، وَإِذَا كَانَ تَعَالَى حَادِثًا افْتَقَرَ إِلَى مُحْدِثٍ يُحْدِثُهُ، وَافْتَقَرَ مُحْدِثُهُ إِلَى مُحْدِثٍ، وَهَكَذَا.فَإِنْ لَمْ تَقِفِ الْمُحْدِثُونَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ: وَهُوَ تَتَابُعُ الْأَشْيَاءِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَالتَّسَلْسُلُ مُحَالٌ.وَإِنِ انْتَهَتِ الْمُحْدِثُونَ بِأَنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُحْدِثَ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهَ أَحْدَثَهُ اللَّهُ لَزِمَ الدَّوْرُ وَهُوَ تَوَقُّفُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ.فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ مُحْدَثًا كَانَ مُتَوَقِّفًا عَلَى هَذَا الْمُحْدِثِ، وَقَدْ فَرَضْنَا أَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ هَذَا الْمُحْدِثَ، فَيَكُونُ الْمُحْدِثُ مُتَوَقِّفًا عَلَى أَنَّهُ...وَالدَّوْرُ مُحَالٌ، أَيْ: لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ.وَالَّذِي أَدَّى إِلَى الدَّوْرِ وَالتَّسَلْسُلِ الْمُحَالَيْنِ فَرْضُ حُدُوثِهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكُونُ حُدُوثُهُ تَعَالَى مُحَالًا، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُؤَدِّي إِلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ.

فَحَاصِلُ الدَّلِيلِ أَنْ تَقُولَ: لَوْ كَانَ اللَّهُ غَيْرَ قَدِيمٍ، بِأَنْ كَانَ حَادِثًا، لَافْتَقَرَ إِلَى مُحْدِثٍ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ، وَهُمَا مُحَالَانِ، فَيَكُونُ حُدُوثُهُ مُحَالًا، فَثَبَتَ قِدَمُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

وَهَذَا الدَّلِيلُ الْإِجْمَالِيُّ لِقِدَمِهِ تَعَالَى، وَبِهِ يَخْرُجُ الْمُكَلَّفُ مِنْ رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُخَلِّدُ صَاحِبَهُ فِي النَّارِ عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالسَّنُوسِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.

الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْبَقَاءُ

وَمَعْنَاهُ: عَدَمُ الْآخِرِيَّةِ لِلْوُجُودِ، فَمَعْنَى كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى بَاقِيًا أَنَّهُ لَا آخِرَ لِوُجُودِهِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى بَقَائِهِ تَعَالَى: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعَدَمُ لَكَانَ حَادِثًا، فَيَفْتَقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ، وَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي دَلِيلِ الْقِدَمِ.

وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ يَنْتَفِي عَنْهُ الْقِدَمُ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَحِقَهُ الْعَدَمُ يَكُونُ وُجُودُهُ جَائِزًا، وَكُلُّ جَائِزِ الْوُجُودِ يَكُونُ حَادِثًا، وَكُلُّ حَادِثٍ يَفْتَقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ، وَهُوَ تَعَالَى ثَبَتَ لَهُ الْقِدَمُ بِالدَّلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ لَهُ الْقِدَمُ اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْعَدَمُ، فَدَلِيلُ الْبَقَاءِ لَهُ تَعَالَى هُوَ دَلِيلُ الْقِدَمِ.

وَحَاصِلُهُ أَنْ تَقُولَ: لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُ الْبَقَاءُ بِأَنْ كَانَ يَجُوزُ عَلَيْهِ لَانْتَفَى عَنْهُ الْقِدَمُ، وَالْقِدَمُ لَا يَصِحُّ انْتِفَاؤُهُ عَنْهُ تَعَالَى لِلدَّلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.

وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الْإِجْمَالِيُّ لِلْبَقَاءِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ أَنْ يَعْلَمَهُ، وَهَكَذَا كُلُّ عَقِيدَةٍ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَهَا وَيَعْلَمَ دَلِيلَهَا الْإِجْمَالِيَّ، فَإِذَا عَرَفَ بَعْضَ الْعَقَائِدِ بِدَلِيلِهِ وَلَمْ يَعْرِفِ الْبَاقِيَ بِدَلِيلِهِ، لَمْ يَكْفِ فِي الْإِيمَانِ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِالتَّقْلِيدِ.

الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ

أَيِ: الْمَخْلُوقَاتِ، فَاللَّهُ تَعَالَى مُخَالِفٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَكٍ وَغَيْرِهَا، فَلَا يَصِحُّ اتِّصَافُهُ تَعَالَى بِأَوْصَافِ الْحَوَادِثِ مِنْ مَشْيٍ وَقُعُودٍ وَجَوَارِحَ، فَهُوَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَوَارِحِ، مِنْ فَمٍ وَعَيْنٍ وَأُذُنٍ وَغَيْرِهَا.فَكُلُّ مَا خَطَرَ بِبَالِكَ مِنْ طُولٍ وَعَرْضٍ وَقِصَرٍ وَسِمَنٍ فَاللَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِهِ تَنَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ جَمِيعِ أَوْصَافِ الْخَلْقِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ يُمَاثِلُهُ تَعَالَى، أَيْ: إِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَوْ فُرِضَ اتِّصَافُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا اتَّصَفَ بِهِ الْحَادِثُ، لَكَانَ حَادِثًا، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَادِثًا لَافْتَقَرَ إِلَى مُحْدِثٍ، وَمُحْدِثُهُ إِلَى مُحْدِثٍ، وَهَكَذَا، وَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُحَالٌ.

وَحَاصِلُ هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ تَقُولَ: لَوْ شَابَهَ اللَّهُ تَعَالَى حَادِثًا مِنَ الْحَوَادِثِ فِي شَيْءٍ، لَكَانَ حَادِثًا مِثْلَهُ، لِأَنَّ مَا جَازَ عَلَى أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ جَازَ عَلَى الْآخَرِ، وَحُدُوثُهُ تَعَالَى مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَاجِبٌ لَهُ الْقِدَمُ، وَإِذَا انْتَفَى عَنْهُ تَعَالَى الْحُدُوثُ ثَبَتَ مُخَالَفَتُهُ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ الْحَوَادِثِ مُشَابَهَةٌ فِي شَيْءٍ قَطْعًا.وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الْإِجْمَالِيُّ الْوَاجِبُ مَعْرِفَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْقِيَامُ بِالنَّفْسِ

أَيْ: بِالذَّاتِ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْمَحَلِّ وَالْمُخَصِّصِ، وَالْمَحَلُّ الذَّاتُ، وَالْمُخَصِّصُ: الْمُوجِدُ.فَمَعْنَى كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى قَائِمًا بِنَفْسِهِ: أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَاتٍ يَقُومُ بِهَا، وَغَنِيٌّ عَنْ مُوجِدٍ، لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوجِدُ لِلْأَشْيَاءِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ أَنْ تَقُولَ: لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُحْتَاجًا إِلَى الْمَحَلِّ، أَيْ: ذَاتٍ يَقُومُ بِهَا كَمَا افْتَقَرَ الْبَيَاضُ إِلَى الذَّاتِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا، لَكَانَ صِفَةً، كَمَا أَنَّ الْبَيَاضَ مَثَلًا صِفَةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً، لِأَنَّهُ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالصِّفَاتِ، وَالصِّفَةُ لَا تَتَّصِفُ بِالصِّفَاتِ، فَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِفَةٍ.وَلَوِ افْتَقَرَ إِلَى مُوجِدٍ يُوجِدُهُ لَكَانَ حَادِثًا، وَمُحْدِثُهُ يَكُونُ حَادِثًا أَيْضًا، وَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ.فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْغَنِيُّ الْغِنَى الْمُطْلَقَ، أَيْ: غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَمَّا غِنَى الْخَلْقِ فَهُوَ غِنًى مُقَيَّدٌ، أَيْ: عَنْ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى هُدَاكَ.

الصِّفَةُ السَّادِسَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْوَحْدَانِيَّةُ

بِمَعْنَى: عَدَمِ التَّعَدُّدِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ.

  • وَمَعْنَى كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدًا فِي ذَاتِهِ: أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً مِنْ أَجْزَاءٍ، وَالتَّرْكِيبُ يُسَمَّى كَمًّا مُتَّصِلًا، وَبِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَاتٌ فِي الْوُجُودِ وَلَا فِي الْإِمْكَانِ تُشْبِهُ ذَاتَهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ الْمُشَابَهَةُ الْمُسْتَحِيلَةُ تُسَمَّى كَمًّا مُنْفَصِلًا.فَالْوَحْدَانِيَّةُ فِي الذَّاتِ نَفَتِ الْكَمَّيْنِ الْمُتَّصِلَ فِي الذَّاتِ وَالْمُنْفَصِلَ فِيهَا.
  • وَمَعْنَى وَحْدَتِهِ تَعَالَى فِي الصِّفَاتِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعَالَى صِفَتَانِ مُتَّفِقَتَانِ فِي الِاسْمِ وَالْمَعْنَى، كَقُدْرَتَيْنِ وَعِلْمَيْنِ وَإِرَادَتَيْنِ، فَلَيْسَ لَهُ تَعَالَى إِلَّا قُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعِلْمٌ وَاحِدٌ، خِلَافًا لِأَبِي سَهْلٍ الْقَائِلِ: بِأَنَّ لَهُ تَعَالَى عُلُومًا بِعَدَدِ الْمَعْلُومَاتِ.وَهَذَا - أَعْنِي التَّعَدُّدَ فِي الصِّفَاتِ - يُسَمَّى كَمًّا مُتَّصِلًا فِي الصِّفَاتِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ صِفَةٌ تُشْبِهُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَهَذَا - أَعْنِي كَوْنَ لِأَحَدٍ صِفَةً إِلَى آخِرِهِ - يُسَمَّى كَمًّا مُنْفَصِلًا فِي الصِّفَاتِ.فَالْوَحْدَةُ فِي الصِّفَاتِ نَفَتِ الْكَمَّ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْفَصِلَ فِيهَا.
  • وَمَعْنَى وَحْدَتِهِ تَعَالَى فِي الْأَفْعَالِ: أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِعْلٌ، لِأَنَّهُ تَعَالَى الْخَالِقُ لِأَفْعَالِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِنْ مَوْتِ شَخْصٍ أَوْ إِيذَائِهِ عِنْدَ اعْتِرَاضِهِ مَثَلًا عَلَى وَلِيٍّ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَخْلُقُهُ عِنْدَ غَضَبِ الْوَلِيِّ عَلَى هَذَا الْمُعْتَرِضِ.وَلَا تُفَسَّرُ الْوَحْدَةُ فِي الْأَفْعَالِ كَقَوْلِكَ: لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لِغَيْرِ اللَّهِ فِعْلٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ كَفِعْلِ اللَّهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، بَلْ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَالِقُ لِلْأَفْعَالِ كُلِّهَا، فَالَّذِي وَقَعَ مِنْكَ مِنْ حَرَكَةِ يَدِكَ عِنْدَ ضَرْبِ زَيْدٍ مَثَلًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ الصَّافَّاتِ، وَكَوْنُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فِعْلٌ يُسَمَّى كَمًّا مُنْفَصِلًا فِي الْأَفْعَالِ.

فَالْوَحْدَانِيَّةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى نَفَتِ الْكُمُومَ الْخَمْسَةَ الْمُسْتَحِيلَةَ:

1.   فَالْكَمُّ الْمُتَّصِلُ فِي الذَّاتِ: تَرَكُّبُهَا مِنْ أَجْزَاءٍ.

2.   وَالْكَمُّ الْمُنْفَصِلُ فِيهَا: أَنْ يَكُونَ لَهَا ذَاتٌ تُشْبِهُهَا.

3.   وَالْكَمُّ الْمُتَّصِلُ فِي الصِّفَاتِ: أَنْ يَكُونَ لَهُ تَعَالَى قُدْرَتَانِ، مَثَلًا.

4.   وَالْكَمُّ الْمُنْفَصِلُ فِيهَا: أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى صِفَةٌ تُشْبِهُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى.

5.   وَالْكَمُّ الْمُنْفَصِلُ فِي الْأَفْعَالِ: أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى فِعْلٌ.وَهَذِهِ الْكُمُومُ الْخَمْسَةُ انْتَفَتْ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْوَاجِبَةِ لَهُ سُبْحَانَهُ.وَمَعْنَى الْكَمِّ الْعَدَدُ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى: وُجُودُ الْعَالَمِ: فَلَوْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْأُلُوهِيَّةِ لَا يَخْلُو الْأَمْرُ:

  • فَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وُجُودِ الْعَالَمِ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أُوجِدُهُ، وَيَقُولَ الْآخَرُ: أَنَا أُوجِدُهُ مَعَكَ لِنَتَعَاوَنْ عَلَيْهِ.
  • وَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فَيَقُولَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أُوجِدُ الْعَالَمَ بِقُدْرَتِي، وَيَقُولَ الْآخَرُ: أَنَا أُرِيدُ عَدَمَ وُجُودِهِ.

فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وُجُودِ الْعَالَمِ بِأَنْ أَوْجَدَاهُ مَعًا، وَوُجِدَ بِفِعْلِهِمَا لَزِمَ اجْتِمَاعُ مُؤَثِّرَيْنِ عَلَى أَثَرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.وَإِنِ اخْتَلَفَا فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا، أَوْ: لَا يَنْفُذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا: فَإِنْ نَفَذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَانَ الَّذِي لَمْ يَنْفُذْ مُرَادُهُ عَاجِزًا، وَقَدْ فَرَضْنَا أَنَّهُ مُسَاوٍ فِي الْأُلُوهِيَّةِ لِمَنْ نَفَذَ مُرَادُهُ، فَإِذَا ثَبَتَ الْعَجْزُ لِهَذَا ثَبَتَ الْعَجْزُ لِلْآخَرِ، لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ مُرَادُهُمَا كَانَا عَاجِزَيْنِ.

وَعَلَى كُلٍّ - سَوَاءٌ اتَّفَقَا أَوْ اخْتَلَفَا - يَسْتَحِيلُ وُجُودُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ: لِأَنَّهُمَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَى وُجُودِهِ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ مُؤَثِّرَيْنِ عَلَى أَثَرٍ وَاحِدٍ، إِنْ نَفَذَ مُرَادُهُمَا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، فَلَا يَتَأَتَّى تَنْفِيذُ مُرَادِهِمَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ حِينَئِذٍ.وَإِنِ اخْتَلَفَا، وَنَفَذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا كَانَ الْآخَرُ عَاجِزًا، وَهَذَا مِثْلُهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فَلَمْ يَكُنِ الْإِلَهُ هُوَ إِلَّا وَاحِدًا.وَإِنِ اخْتَلَفَا، وَلَمْ يَنْفُذْ مُرَادُهُمَا كَانَا عَاجِزَيْنِ، فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَالْعَالَمُ مَوْجُودٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْإِلَهُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

فَوُجُودُ الْعَالَمِ دَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى، وَعَلَى أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَلَا وَاسِطَةَ لَهُ فِي فِعْلٍ جَلَّ تَعَالَى، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْغِنَى الْمُطْلَقَ.وَمِنْ هَذَا الدَّلِيلِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِنَ النَّارِ، وَالسِّكِّينِ، وَالْأَكْلِ فِي الْإِحْرَاقِ وَالْقَطْعِ وَالشِّبَعِ.بَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ الْإِحْرَاقَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي مَسَّتْهُ النَّارُ عِنْدَ مَسِّهَا لَهُ، وَيَخْلُقُ الْقَطْعَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي بَاشَرَتْهُ السِّكِّينُ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ، وَيَخْلُقُ الشِّبَعَ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالرِّيَّ عِنْدَ الشُّرْبِ.

فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ بِطَبْعِهَا وَالْمَاءَ يَرْوِي بِطَبْعِهِ، وَهَكَذَا، فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مُحْرِقَةٌ بِقُوَّةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ فِيهَا فَهُوَ جَاهِلٌ فَاسِقٌ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَقِيقَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ.وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الْإِجْمَالِيُّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ مَعْرِفَتُهُ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ السَّنُوسِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى هُدَاكَ.

وَالْقِدَمُ، وَالْبَقَاءُ، وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ، وَالْقِيَامُ بِنَفْسِهِ، وَالْوَحْدَانِيَّةُ، صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ، أَيْ: مَعْنَاهَا سَلْبٌ وَنَفْيٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا نَفَى عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ.

الصِّفَةُ السَّابِعَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْقُدْرَةُ

وَهِيَ صِفَةٌ تُؤَثِّرُ فِي الْمُمْكِنِ الْوُجُودَ أَوِ الْعَدَمَ، فَتَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ فَتُوجِدُهُ، كَتَعَلُّقِهَا بِكَ قَبْلَ وُجُودِكَ، وَتَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ فَتُعْدِمُهُ، كَتَعَلُّقِهَا بِالْجِسْمِ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ إِعْدَامَهُ فَيَصِيرُ بِهَا مَعْدُومًا، أَيْ: لَا شَيْءَ.وَهَذَا التَّعَلُّقُ تَنْجِيزِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَعَلَّقَتْ بِالْفِعْلِ، وَالتَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ حَادِثٌ، وَلَهَا تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ، وَهُوَ صَلَاحِيَّتُهَا فِي الْأَزَلِ لِلْإِيجَادِ، فَهِيَ صَالِحَةٌ فِي الْأَزَلِ، لِأَنْ تُوجِدَ زَيْدًا طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا أَوْ عَرِيضًا وَصَالِحَةٌ لِإِعْطَائِهِ الْعِلْمَ، وَتَعَلُّقُهَا التَّنْجِيزِيُّ مُخْتَصٌّ بِالْحَالِ الَّذِي عَلَيْهِ زَيْدٌ.

فَلَهَا تَعَلُّقَانِ: تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ، وَهُوَ مَا مَرَّ وَتَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ، وَهُوَ تَعَلُّقُهَا بِالْمَعْدُومِ، فَتُوجِدُهُ وَبِالْمَوْجُودِ فَتُعْدِمُهُ.وَهَذَا أَعْنِي تَعَلُّقَهَا بِالْمَوْجُودِ وَبِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَهَا تَعَلُّقٌ مَجَازِيٌّ، وَهُوَ تَعَلُّقُهَا بِالْمَوْجُودِ بَعْدَ وُجُودِهِ وَقَبْلَ عَدَمِهِ، كَتَعَلُّقِهَا بِنَا بَعْدَ وُجُودِنَا وَقَبْلَ عَدَمِنَا، وَيُسَمَّى تَعَلُّقَ قَبْضَةٍ، بِمَعْنَى: أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي قَبْضَةِ الْقُدْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَبْقَاهُ عَلَى وُجُودِهِ وَإِنْ شَاءَ أَعْدَمَهُ بِهَا.وَكَتَعَلُّقِهَا بِالْمَعْدُومِ قَبْلَ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ تَعَالَى وُجُودَهُ كَتَعَلُّقِهَا بِزَيْدٍ فِي زَمَنِ الطُّوفَانِ، فَهُوَ تَعَلُّقُ قَبْضَةٍ أَيْضًا، بِمَعْنَى: أَنَّ الْمَعْدُومَ فِي قَبْضَةِ الْقُدْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَبْقَاهُ عَلَى عَدَمِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ.وَكَتَعَلُّقِهَا بِنَا بَعْدَ مَوْتِنَا وَقَبْلَ الْبَعْثِ فَيُسَمَّى تَعَلُّقَ قَبْضَةٍ أَيْضًا، بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ.

فَلَهَا سَبْعُ تَعَلُّقَاتٍ:

1.   تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ.

2.   وَتَعَلُّقُ قَبْضَةٍ: وَهُوَ تَعَلُّقُهَا بِنَا قَبْلَ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ وُجُودَنَا.

3.   وَتَعَلُّقٌ بِالْفِعْلِ: وَهُوَ إِيجَادُ اللَّهِ تَعَالَى الشَّيْءَ بِهَا.

4.   وَتَعَلُّقُ قَبْضَةٍ: وَهُوَ تَعَلُّقُهَا بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَقَبْلَ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ عَدَمَهُ.

5.   وَتَعَلُّقٌ بِالْفِعْلِ: وَهُوَ إِعْدَامُ اللَّهِ الشَّيْءَ بِهَا.

6.   وَتَعَلُّقُ قَبْضَةٍ: بَعْدَ عَدَمِهِ وَقَبْلَ الْبَعْثِ.

7.   وَتَعَلُّقٌ بِالْفِعْلِ: وَهُوَ إِيجَادُ اللَّهِ لَنَا يَوْمَ الْبَعْثِ.

لَكِنَّ التَّعَلُّقَ الْحَقِيقِيَّ مِنْ ذَلِكَ تَعَلُّقَانِ: هُوَ إِيجَادُ اللَّهِ بِهَا وَإِعْدَامُهُ بِهَا.وَهَذَا عَلَى التَّفْصِيلِيِّ، وَأَمَّا الْإِجْمَالِيُّ فَلَهَا تَعَلُّقَانِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ: تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ، وَتَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ، لَكِنَّ التَّنْجِيزِيَّ خَاصٌّ بِالْإِيجَادِ وَبِالْإِعْدَامِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْقَبْضَةِ فَلَا يُوصَفُ بِالتَّنْجِيزِيِّ وَلَا بِالصُّلُوحِيِّ الْقَدِيمِ.وَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْوُجُودِ وَبِالْعَدَمِ هُوَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَدَمِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ، عَدَمَ شَخْصٍ مَنَعَ عَنْهُ الْإِمْدَادَاتِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي بَقَائِهِ.

الصِّفَةُ الثَّامِنَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْإِرَادَةُ

وَهِيَ صِفَةٌ تُخَصِّصُ الْمُمْكِنَ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَزَيْدٌ مَثَلًا يَجُوزُ عَلَيْهِ الطُّولُ وَالْقِصَرُ، فَالْإِرَادَةُ خَصَّصَتْهُ بِالطُّولِ مَثَلًا، وَأَمَّا الْقُدْرَةُ فَهِيَ تُبْرِزُ الطُّولَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، فَالْإِرَادَةُ تُخَصِّصُ وَالْقُدْرَةُ تُبْرِزُ.

وَالْمُمْكِنَاتُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ سِتَّةٌ: الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ وَالصِّفَاتُ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْجِهَاتِ، وَتُسَمَّى: الْمُمْكِنَاتِ الْمُتَقَابِلَاتِ، فَالْوُجُودُ يُقَابِلُ الْعَدَمَ، وَالطُّولُ يُقَابِلُ الْقِصَرَ، وَجِهَةُ فَوْقُ تُقَابِلُ جِهَةَ تَحْتُ، وَمَكَانُ كَذَا كَمِصْرَ يُقَابِلُ غَيْرَهُ كالشَّامِ مَثَلًا.

وَحَاصِلُ ذَلِكَ: أَنَّ زَيْدًا قَبْلَ وُجُودِهِ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْقَى عَلَى عَدَمِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَإِذَا وُجِدَ فَقَدْ خَصَّصَتِ الْإِرَادَةُ وُجُودَهُ بَدَلًا عَنْ عَدَمِهِ، وَالْقُدْرَةُ أَبْرَزَتِ الْوُجُودَ.وَيَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ فِي زَمَنِ الطُّوفَانِ وَفِي غَيْرِهِ، فَالَّذِي خَصَّصَ وُجُودَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ دُونَ غَيْرِهِ هُوَ: الْإِرَادَةُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا، فَالَّذِي خَصَّصَ طُولَهُ بَدَلًا عَنِ الْقِصَرِ الْإِرَادَةُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي جِهَةِ فَوْقُ، فَالَّذِي خَصَّصَهُ فِي جِهَةِ تَحْتُ كَالْأَرْضِ الْإِرَادَةُ.

وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ صِفَتَانِ قَائِمَتَانِ بِذَاتِهِ تَعَالَى مُوجِدَتَانِ، لَوْ كُشِفَ عَنَّا الْحِجَابُ لَرَأَيْنَاهُمَا، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُمَا إِلَّا بِالْمُمْكِنِ، فَلَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْمُسْتَحِيلِ كَالشَّرِيكِ تَنَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَلَا بِالْوَاجِبِ كَذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ.وَمِنَ الْجَهْلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْقُدْرَةِ بِالْمُسْتَحِيلِ، وَاتِّخَاذُ الْوَلَدِ مُسْتَحِيلٌ.وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى اتِّخَاذِ الْوَلَدِ كَانَ عَاجِزًا.لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا يَلْزَمُ الْعَجْزُ لَوْ كَانَ الْمُسْتَحِيلُ مِنْ وَظِيفَةِ الْقُدْرَةِ وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وَظِيفَتِهَا إِلَّا الْمُمْكِنُ.

وَلِلْإِرَادَةِ تَعَلُّقَانِ:

  • تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ وَهُوَ صَلَاحِيَّتُهَا لِلتَّخْصِيصِ أَزَلًا، فَزَيْدٌ الطَّوِيلُ أَوِ الْقَصِيرُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ صَلَاحِيَّةِ الْإِرَادَةِ، فَهِيَ صَالِحَةٌ لِأَنْ يَكُونَ زَيْدٌ سُلْطَانًا وَأَنْ يَكُونَ زَبَّالًا بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ الصُّلُوحِيِّ.
  • وَلَهَا تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ، وَهُوَ تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى الشَّيْءَ بِالصِّفَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، فَالْعِلْمُ الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ بِإِرَادَتِهِ، فَتَخْصِيصُهُ بِالْعِلْمِ مَثَلًا قَدِيمٌ، وَيُسَمَّى تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا، وَصَلَاحِيَّتُهَا لِتَخْصِيصِهِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّخْصِيصِ بِالْفِعْلِ يُعْنِي تَعَلُّقًا صُلُوحِيًّا قَدِيمًا.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَهَا تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ، وَهُوَ تَخْصِيصُ زَيْدٍ بِالطُّولِ مَثَلًا حِينَ يُوجَدُ بِالْفِعْلِ.فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهَا ثَلَاثُ تَعَلُّقَاتٍ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ هَذَا الثَّالِثَ لَيْسَ تَعَلُّقًا بَلْ هُوَ إِظْهَارٌ لِلتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ الْقَدِيمِ.وَتَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ عَامٌّ لِكُلِّ مُمْكِنٍ حَتَّى إِنَّ الْخَطَرَاتِ الَّتِي تَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ الشَّخْصِ مُخَصَّصَةٌ بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى وَمَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْمَلْوِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ نِسْبَةَ التَّخْصِيصِ لِلْإِرَادَةِ وَالْإِبْرَازِ وَالْإِيجَادِ لِلْقُدْرَةِ مَجَازٌ، وَالْمُخَصِّصُ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِرَادَتِهِ وَالْمُبْرِزُ وَالْمُوجِدُ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى جَلَّ وَعَلَا بِقُدْرَتِهِ.فَقَوْلُ الْعَامَّةِ: الْقُدْرَةُ تَفْعَلُ بِفُلَانٍ كَذَا، إِنْ أَرَادَ الْقَائِلُ أَنَّ الْفِعْلَ لِلْقُدْرَةِ حَقِيقَةً أَوْ لَهَا وَلِلذَّاتِ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى، بَلِ الْفِعْلُ لِذَاتِهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ.

الصِّفَةُ التَّاسِعَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْعِلْمُ

وَهُوَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى مَوْجُودَةٌ، يَنْكَشِفُ بِهَا الْمَعْلُومُ انْكِشَافًا عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خَفَاءٍ.

وَتَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْجَائِزَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ، فَيَعْلَمُ ذَاتَهُ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ بِعِلْمِهِ، وَيَعْلَمُ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا وَالْمَعْدُومَاتِ كُلَّهَا بِعِلْمِهِ، وَيَعْلَمُ الْمُسْتَحِيلَاتِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيكَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَسَادٌ، تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنِ الشَّرِيكِ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَلَهُ تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ فَقَطْ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ أَزَلًا عِلْمًا تَامًّا لَا عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ وَلَا عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ، لِأَنَّ الظَّنَّ وَالشَّكَّ مُسْتَحِيلَانِ عَلَيْهِ تَعَالَى.وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خَفَاءٍ: أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ أَزَلًا، وَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ يَجْهَلُهَا ثُمَّ عَلِمَهَا، تَنَزَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.وَأَمَّا الْحَادِثُ فَيَجْهَلُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَعْلَمُهُ.

وَلَيْسَ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ بِمَعْنَى: أَنَّهُ صَالِحٌ لِأَنْ يَنْكَشِفَ بِهِ كَذَا، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كَذَا لَمْ يَنْكَشِفْ بِالْفِعْلِ، وَعَدَمُ انْكِشَافِهِ بِالْعِلْمِ جَهْلٌ، تَنَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.

الصِّفَةُ الْعَاشِرَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: الْحَيَاةُ

وَهِيَ صِفَةٌ تُصَحِّحُ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِدْرَاكَ كَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، أَيْ: يَصِحُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِذَلِكَ.وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْحَيَاةِ الِاتِّصَافُ بِالْإِدْرَاكِ بِالْفِعْلِ.وَهِيَ لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مَوْجُودٍ أَوْ مَعْدُومٍ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ: وُجُودُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ: لِأَنَّهُ لَوِ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَمَا وُجِدَ مَخْلُوقٌ، فَلَمَّا وُجِدَتِ الْمَخْلُوقَاتُ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.

وَوَجْهُ تَوَقُّفِ وُجُوبِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعِ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْفِعْلِ، ثُمَّ يُرِيدُ الْأَمْرَ الَّذِي يَفْعَلُهُ، وَبَعْدَ إِرَادَتِهِ يُبَاشِرُ فِعْلَهُ بِقُدْرَتِهِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْفَاعِلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حَيًّا.وَالْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ تُسَمَّى صِفَاتِ التَّأْثِيرِ لِتَوَقُّفِ التَّأْثِيرِ عَلَيْهَا.

لِأَنَّ الَّذِي يُرِيدُ شَيْئًا أَوْ يَقْصِدُهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ قَبْلَ قَصْدِهِ لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ قَصْدِهِ لَهُ يُبَاشِرُ فِعْلَهُ، مَثَلًا إِذَا كَانَ شَيْءٌ فِي بَيْتِكَ، وَأَرَدْتَ أَخْذَهُ، فَعِلْمُكَ سَابِقٌ عَلَى إِرَادَتِكَ لِأَخْذِهِ، وَبَعْدَ إِرَادَتِكَ أَخْذَهُ تَأْخُذُهُ بِالْفِعْلِ.فَتَعَلُّقُ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي حَقِّ الْحَادِثِ، فَأَوَّلًا يُوجَدُ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ قَصْدُهُ ثُمَّ فِعْلُهُ.وَأَمَّا فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَلَا تَرْتِيبَ فِي صِفَاتِهِ إِلَّا فِي التَّعَقُّلِ، فَأَوَّلًا تَتَعَقَّلُ أَنَّ الْعِلْمَ سَابِقٌ ثُمَّ الْإِرَادَةَ ثُمَّ الْقُدْرَةَ، أَمَّا فِي التَّأْثِيرِ وَالْخَارِجِ فَلَا تَرْتِيبَ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَالُ: تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِالْفِعْلِ، ثُمَّ الْإِرَادَةُ ثُمَّ الْقُدْرَةُ لِأَنَّ هَذَا فِي حَقِّ الْحَادِثِ، وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ بِحَسَبِ تَعَقُّلِنَا فَقَطْ.

الصِّفَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ

وَهُمَا صِفَتَانِ قَائِمَتَانِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، يَتَعَلَّقَانِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ، أَيْ: يَنْكَشِفُ بِهِمَا كُلُّ مَوْجُودٍ وَاجِبًا كَانَ أَوْ جَائِزًا.

وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ يَتَعَلَّقَانِ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، أَيْ: إِنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مُنْكَشِفَةٌ لَهُ تَعَالَى بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ زِيَادَةً عَلَى الِانْكِشَافِ بِعِلْمِهِ، وَزَيْدٌ وَعَمْرٌو وَالْحَائِطُ يَسْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى ذَوَاتَهَا، وَيُبْصِرُهَا، وَيَسْمَعُ صَوْتَ صَاحِبِ الصَّوْتِ وَيُبْصِرُهُ، أَيِ: الصَّوْتَ.

فَإِنْ قُلْتَ: سَمَاعُ الصَّوْتِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا سَمَاعُ ذَاتِ زَيْدٍ وَذَاتِ الْحَائِطِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَكَذَلِكَ تَعَلُّقُ الْبَصَرِ بِالْأَصْوَاتِ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تُسْمَعُ فَقَطْ.قُلْنَا: يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِأَنَّهُمَا مُتَعَلِّقَانِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ.وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّعَلُّقِ فَهِيَ مَجْهُولَةٌ لَنَا، فَاللَّهُ تَعَالَى يَسْمَعُ ذَاتَ زَيْدٍ وَلَا نَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ تَعَلُّقِ السَّمْعِ بِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْمَعُ مَشْيَ ذَاتِ زَيْدٍ، لِأَنَّ سَمَاعَ مَشْيِهِ دَاخِلٌ فِي سَمَاعِ الْأَصْوَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَسْمَعُ الْأَصْوَاتَ كُلَّهَا، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْمَعُ ذَاتَ زَيْدٍ وَجُثَّتَهُ زِيَادَةً عَلَى سَمَاعِ مَشْيِهِ مَثَلًا، لَكِنْ لَا نَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ تَعَلُّقِ سَمَاعِ اللَّهِ تَعَالَى بِنَفْسِ الذَّاتِ، وَهَذَا مَا كُلِّفَ بِهِ الشَّخْصُ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

وَاعْلَمْ أَنَّ تَعَلُّقَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَوَادِثِ تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ قَبْلَ وُجُودِهَا، وَبَعْدَ وُجُودِهَا تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ، أَيْ: إِنَّهَا بَعْدَ وُجُودِهَا مُنْكَشِفَةٌ لَهُ تَعَالَى بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ زِيَادَةً عَلَى الِانْكِشَافِ بِالْعِلْمِ، فَلَهُمَا تَعَلُّقَانِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَتَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ، بِمَعْنَى أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مُنْكَشِفَةٌ لَهُ تَعَالَى أَزَلًا بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، فَيَسْمَعُ تَعَالَى ذَاتَهُ وَجَمِيعَ صِفَاتِهِ الْوُجُودِيَّةِ مِنْ قُدْرَةٍ وَسَمْعٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا نَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ التَّعَلُّقِ، وَيُبْصِرُ تَعَالَى ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ الْوُجُودِيَّةِ مِنْ قُدْرَةٍ وَبَصَرٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا نَدْرِي كَيْفِيَّةَ التَّعَلُّقِ.

وَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ يَتَعَلَّقَانِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ هُوَ رَأْيُ السَّنُوسِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ.وَقِيلَ: إِنَّ السَّمْعَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالْأَصْوَاتِ وَالْبَصَرَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالْمُبْصَرَاتِ.وَسَمْعُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِأُذُنٍ وَلَا صِمَاخٍ، وَبَصَرُهُ لَيْسَ بِحَدَقَةٍ وَلَا أَجْفَانٍ، تَنَزَّهَ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

الصِّفَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْكَلَامُ

وَهِيَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى، لَيْسَتْ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَالْإِعْرَابِ وَالْبِنَاءِ، بِخِلَافِ كَلَامِ الْحَوَادِثِ.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَلَامِهِ تَعَالَى الْوَاجِبِ لَهُ تَعَالَى الْأَلْفَاظَ الشَّرِيفَةَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ هَذِهِ حَادِثَةٌ وَالصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِذَاتِهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ، وَهَذِهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ وَإِعْرَابٍ وَسُوَرٍ وَآيَاتٍ، وَالصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ خَالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِيهَا آيَاتٌ وَلَا سُوَرٌ وَلَا إِعْرَابٌ، لِأَنَّ هَذِهِ تَكُونُ لِلْكَلَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ، وَالصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الشَّرِيفَةُ دَالَّةً عَلَى الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الصِّفَةَ الْقَدِيمَةَ تُفْهَمُ مِنْهَا، بَلْ مَا يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مُسَاوٍ لِمَا يُفْهَمُ مِنَ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ، لَوْ كُشِفَ عَنَّا الْحِجَابُ وَسَمِعْنَاهَا.

فَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْأَلْفَاظَ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى، وَهَذَا الْمَعْنَى مُسَاوٍ لِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، فَاحْرِصْ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ، فَإِنَّهُ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ.

وَيُسَمَّى كُلٌّ مِنَ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْأَلْفَاظِ الشَّرِيفَةِ: قُرْآنًا، وَكَلَامَ اللَّهِ، إِلَّا أَنَّ الْأَلْفَاظَ الشَّرِيفَةَ مَخْلُوقَةٌ مَكْتُوبَةٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ مَحَلٍّ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، كُتِبَتْ فِي صُحُفٍ وَوُضِعَتْ فِيهِ.قِيلَ: نَزَلَتْ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً.وَقِيلَ: فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.وَقِيلَ: فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ.وَقِيلَ: كَانَ يَنْزِلُ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِقَدْرِ مَا يَنْزِلُ كُلَّ سَنَةٍ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَالَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى.وَقِيلَ: نَزَلَ عَلَيْهِ الْمَعْنَى فَقَطْ.وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَعْنَى بِالْأَلْفَاظِ مِنْ عِنْدِهِ، وَقِيلَ: الَّذِي عَبَّرَ عَنْهَا جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَفْظًا وَمَعْنًى.

وَبِالْجُمْلَةِ فَالصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِذَاتِهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ لَيْسَتْ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ.وَاسْتَشْكَلَ الْمُعْتَزِلَةُ وُجُودَ كَلَامٍ مِنْ غَيْرِ حُرُوفٍ؟ فَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ كَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ الشَّخْصُ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، فَقَدْ وُجِدَ كَلَامٌ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، وَلَيْسَ مُرَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ تَشْبِيهَ كَلَامِهِ تَعَالَى بِحَدِيثِ النَّفْسِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى قَدِيمٌ وَحَدِيثَ النَّفْسِ حَادِثٌ، بَلْ مُرَادُهُمُ الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يُوجَدُ كَلَامٌ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ.

وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْكَلَامِ لَهُ تَعَالَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164].فَقَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ كَلَامًا.وَالْكَلَامُ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ مِنَ الْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ، لَكِنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِهَا تَعَلُّقُ انْكِشَافٍ، بِمَعْنَى أَنَّهَا مُنْكَشِفَةٌ لَهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَتَعَلُّقَ الْكَلَامِ بِهَا تَعَلُّقُ دَلَالَةٍ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كُشِفَ عَنَّا الْحِجَابُ وَسَمِعْنَا الْكَلَامَ الْقَدِيمَ لَفَهِمْنَاهَا مِنْهُ.

الصِّفَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ صِفَاتِهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ تَعَالَى: كَوْنُهُ تَعَالَى قَادِرًا

 وَهِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى غَيْرُ مَوْجُودَةٍ وَلَا مَعْدُومَةٍ، وَهِيَ غَيْرُ الْقُدْرَةِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقُدْرَةِ تَلَازُمٌ، فَمَتَى وُجِدَتِ الْقُدْرَةُ فِي ذَاتٍ وُجِدَتْ فِيهَا الصِّفَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْكَوْنِ قَادِرًا سَوَاءٌ كَانَتِ الذَّاتُ قَدِيمَةً أَوْ حَادِثَةً.فَذَاتُ زَيْدٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ، وَخَلَقَ فِيهَا صِفَةً تُسَمَّى: كَوْنَ زَيْدٍ قَادِرًا، وَهَذِهِ الصِّفَةُ تُسَمَّى - حَالًا - وَالْقُدْرَةُ عِلَّةٌ فِيهَا فِي حَقِّ الْحَوَادِثِ، وَأَمَّا فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَلَا يُقَالُ: الْقُدْرَةُ عِلَّةٌ فِي كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى قَادِرًا، بَلْ يُقَالُ: بَيْنَ الْقُدْرَةِ وَكَوْنِهِ تَعَالَى قَادِرًا تَلَازُمٌ.وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِالتَّلَازُمِ بَيْنَ قُدْرَةِ الْحَادِثِ وَكَوْنِ الْحَادِثِ قَادِرًا، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ الصِّفَةَ الثَّانِيَةَ، بَلْ مَتَى خَلَقَ اللَّهُ الْقُدْرَةَ فِي الْحَادِثِ نَشَأَ عَنْهَا صِفَةٌ تُسَمَّى كَوْنَهُ قَادِرًا مِنْ غَيْرِ خَلْقٍ.

الصِّفَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ صِفَاتِهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ تَعَالَى: كَوْنُهُ تَعَالَى مُرِيدًا

وَهِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى، غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وَلَا مَعْدُومَةٍ، وَتُسَمَّى حَالًا، وَهِيَ غَيْرُ الْإِرَادَةِ سَوَاءٌ كَانَتِ الذَّاتُ قَدِيمَةً أَوْ حَادِثَةً، فَذَاتُ زَيْدٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا الْإِرَادَةَ لِلْفِعْلِ، وَخَلَقَ فِيهَا صِفَةً تُسَمَّى كَوْنَ زَيْدٍ مُرِيدًا، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْكَوْنِ قَادِرًا يَجْرِي مِثْلُهُ فِي الْكَوْنِ مُرِيدًا.

الصِّفَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: كَوْنُهُ تَعَالَى عَالِمًا

وَهِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى غَيْرُ مَوْجُودَةٍ وَلَا مَعْدُومَةٍ، وَهِيَ غَيْرُ الْعِلْمِ، وَيَجْرِي هَذَا فِي الْحَادِثِ، وَمِثَالُهُ مَا تَقَدَّمَ وَالْخِلَافُ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ جَارٍ فِيهِ.

الصِّفَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: كَوْنُهُ تَعَالَى حَيًّا

 وَهِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى غَيْرُ مَوْجُودَةٍ وَلَا مَعْدُومَةٍ، وَهِيَ غَيْرُ الْحَيَاةِ، وَفِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ.

الصِّفَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: كَوْنُهُ تَعَالَى سَمِيعًا

 وَهِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى غَيْرُ مَوْجُودَةٍ وَلَا مَعْدُومَةٍ، وَهِيَ غَيْرُ السَّمْعِ، وَفِيهِ جَمِيعُ الَّذِي تَقَدَّمَ.

الصِّفَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى: كَوْنُهُ تَعَالَى بَصِيرًا

 وَهِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى غَيْرُ مَوْجُودَةٍ وَلَا مَعْدُومَةٍ، وَهِيَ غَيْرُ الْبَصَرِ، وَفِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ.

الصِّفَةُ الْعِشْرُونَ وَهِيَ تَمَامُ مَا يَجِبُ لَهُ تَعَالَى عَلَى التَّفْصِيلِ وَهِيَ كَوْنُهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا

وَهِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وَلَا مَعْدُومَةٍ وَهِيَ غَيْرُ الْكَلَامِ، وَفِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ.

تَنْبِيهٌ

 مَا تَقَدَّمَ مِنَ: الْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالْعِلْمِ، وَالْحَيَاةِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْكَلَامِ، يُسَمَّى صِفَاتِ الْمَعَانِي مِنْ إِضَافَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ، أَوِ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ كَوْنُهُ تَعَالَى قَادِرًا ...إِلَخْ، تُسَمَّى صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةً نِسْبَةً لِلْمَعَانِي، لِأَنَّهَا تُلَازِمُهَا فِي الْقَدِيمِ، وَتَنْشَأُ عَنْهَا فِي الْحَادِثِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

هَذَا، وَزَادَ الْمَاتُرِيدِيَّةُ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي صِفَةً ثَامِنَةً، وَسَمَّوْهَا: التَّكْوِينَ، وَهِيَ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ كَبَقِيَّةِ صِفَاتِ الْمَعَانِي لَوْ كُشِفَ عَنَّا الْحِجَابُ لَرَأَيْنَاهَا كَمَا نَرَى صِفَاتِ الْمَعَانِي لَوْ كُشِفَ عَنَّا الْحِجَابُ.وَاعْتَرَضَهُمُ الْأَشَاعِرَةُ بِأَنْ مَا فَائِدَةُ التَّكْوِينِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاتُرِيدِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ يُوجِدُ وَيُعْدِمُ بِالتَّكْوِينِ.فَأَجَابُوا بِأَنَّ الْقُدْرَةَ تُهَيِّئُ الْمُمْكِنَ لِلْوُجُودِ أَيْ تُصَيِّرُهُ قَابِلًا لِلْوُجُودِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَالتَّكْوِينُ بَعْدَ ذَلِكَ يُوجِدُهُ بِالْفِعْلِ.وَرَدَّهُ الْأَشَاعِرَةُ بِأَنَّ الْمُمْكِنَ قَابِلٌ لِلْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ.وَمِنْ أَجْلِ كَوْنِهِمْ زَادُوا هَذِهِ الصِّفَةَ قَالُوا: إِنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ قَدِيمَةٌ كَالْخَلْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالرِّزْقِ وَالْإِمَاتَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَسْمَاءٌ لِلتَّكْوِينِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ عِنْدَهُمْ، وَالتَّكْوِينُ قَدِيمٌ، فَتَكُونُ صِفَاتُ الْأَفْعَالِ قَدِيمَةً، وَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ صِفَاتُ الْأَفْعَالِ حَادِثَةٌ، لِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِتَعَلُّقَاتِ الْقُدْرَةِ فَالْإِحْيَاءُ اسْمٌ لِتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالْحَيَاةِ، وَالرِّزْقُ اسْمٌ لِتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالْمَرْزُوقِ، وَالْخَلْقُ اسْمٌ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمَخْلُوقِ، وَالْإِمَاتَةُ اسْمٌ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمَوْتِ، وَتَعَلُّقَاتُ الْقُدْرَةِ عِنْدَهُمْ حَادِثَةٌ.

بَيَانُ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى

وَمِنَ الْخَمْسِينَ عِشْرُونَ أَضْدَادُ هَذِهِ الْعِشْرِينَ هِيَ:

  • الْأُولَى: الْعَدَمُ ضِدُّ الْوُجُودِ.
  • الثَّانِيَةُ: الْحُدُوثُ ضِدُّ الْقِدَمِ.
  • وَالثَّالِثَةُ: الْفَنَاءُ ضِدُّ الْبَقَاءِ.
  • وَالرَّابِعَةُ: الْمُمَاثَلَةُ ضِدُّ الْمُخَالَفَةِ.يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ يُمَاثِلَ الْحَوَادِثَ فِي شَيْءٍ مِمَّا اتَّصَفُوا بِهِ، فَلَا يَمُرُّ عَلَيْهِ تَعَالَى زَمَانٌ، وَلَيْسَ لَهُ مَكَانٌ، وَلَيْسَ لَهُ حَرَكَةٌ وَلَا سُكُونٌ، وَلَا يَتَّصِفُ بِأَلْوَانٍ وَلَا بِجِهَةٍ، فَلَا يُقَالُ: فَوْقَ الْجِرْمِ وَلَا عَنْ يَمِينِ الْجِرْمِ، وَلَيْسَ لَهُ تَعَالَى جِهَةٌ، فَلَا يُقَالُ: إِنِّي تَحْتَ اللَّهِ، فَقَوْلُ الْعَامَّةِ إِنِّي تَحْتَ رَبِّنَا، أَوْ إِنَّ رَبِّي فَوْقِي كَلَامٌ مُنْكَرٌ يُخَافُ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُهُ الْكُفْرُ.
  • الْخَامِسَةُ: الِاحْتِيَاجُ إِلَى مَحَلٍّ، أَيْ: ذَاتٍ يَقُومُ بِهَا، أَوْ إِلَى مُخَصِّصٍ أَيْ: مُوجِدٍ - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ - وَهَذَا ضِدُّ الْقِيَامِ بِنَفْسِهِ.
  • السَّادِسَةُ: التَّعَدُّدُ بِمَعْنَى التَّرْكِيبِ فِي الذَّاتِ أَوِ الصِّفَاتِ أَوْ وُجُودِ نَظِيرٍ فِي الذَّاتِ أَوِ الصِّفَاتِ أَوِ الْأَفْعَالِ، وَهَذِهِ ضِدُّ الْوَحْدَانِيَّةِ.
  • السَّابِعَةُ: الْعَجْزُ وَهُوَ ضِدُّ الْقُدْرَةِ: فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى الْعَجْزُ عَنْ مُمْكِنٍ مَا مِنَ الْمُمْكِنَاتِ.
  • الثَّامِنَةُ: الْكَرَاهَةُ، وَهِيَ ضِدُّ الْإِرَادَةِ: فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ يُوجِدَ شَيْئًا مِنَ الْعَالَمِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لَهُ أَيْ: عَدَمِ إِرَادَتِهِ، فَالْمَوْجُودَاتُ الْمُمْكِنَاتُ أَوْجَدَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ وُجُوبِ الْإِرَادَةِ لَهُ تَعَالَى أَنَّ وُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ وَلَا بِطَرِيقِ الطَّبْعِ.وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمَوْجُودَ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ كُلَّمَا وُجِدَتْ عِلَّتُهُ وُجِدَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، كَحَرَكَةِ الْأُصْبُعِ فَإِنَّهَا عِلَّةٌ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ مَتَى وُجِدَتْ وُجِدَتِ الثَّانِيَةُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ.وَأَنَّ الْمَوْجُودَ بِطَرِيقِ الطَّبْعِ، يَتَوَقَّفُ عَلَى شَرْطٍ وَانْتِفَاءِ مَانِعٍ كَالنَّارِ، فَإِنَّهَا لَا تُحْرِقُ إِلَّا بِشَرْطِ الْمُمَاسَّةِ لِلْحَطَبِ وَانْتِفَاءِ الْبَلَلِ الَّذِي هُوَ الْمَانِعُ مِنْ إِحْرَاقِهَا، فَالنَّارُ تُحْرِقُ بِطَبِيعَتِهَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ.بَلِ الْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الْإِحْرَاقَ فِي الْحَطَبِ عِنْدَ مُمَاسَّتِهِ النَّارَ، كَمَا يَخْلُقُ حَرَكَةَ الْخَاتَمِ عِنْدَ وُجُودِ حَرَكَةِ الْأُصْبُعِ، فَلَا وُجُودَ لِشَيْءٍ بِالتَّعْلِيلِ وَلَا بِالطَّبْعِ خِلَافًا لِلْقَائِلِينَ بِذَلِكَ.وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ عِلَّةً فِي الْعَالَمِ نَشَأَ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَوْ يَكُونَ طَبِيعَةً وُجِدَ الْعَالَمُ بِطَبِيعَتِهِ، تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا.

  • التَّاسِعَةُ: الْجَهْلُ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى الْجَهْلُ بِمُمْكِنٍ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ سَوَاءٌ كَانَ: بَسِيطًا: وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ.أَوْ مُرَكَّبًا: وَهُوَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى الْغَفْلَةُ وَالذُّهُولُ، وَهَذَا ضِدُّ الْعِلْمِ.
  • الْعَاشِرَةُ: الْمَوْتُ، وَهُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ.
  • الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الصَّمَمُ، وَهُوَ ضِدُّ السَّمْعِ.
  • الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْعَمَى، وَهُوَ ضِدُّ الْبَصَرِ.
  • الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْخَرَسُ وَفِي مَعْنَاهُ الْبَكَمُ، وَهُوَ ضِدُّ الْكَلَامِ.
  • الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُ تَعَالَى عَاجِزًا وَهُوَ ضِدُّ كَوْنِهِ تَعَالَى قَادِرًا.
  • الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُ تَعَالَى كَارِهًا وَهُوَ ضِدُّ كَوْنِهِ تَعَالَى مُرِيدًا.
  • السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُ تَعَالَى جَاهِلًا، وَهُوَ ضِدُّ كَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا.
  • السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُ تَعَالَى مَيِّتًا، وَهُوَ ضِدُّ كَوْنِهِ تَعَالَى حَيًّا.
  • الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُ تَعَالَى أَصَمَّ وَهُوَ ضِدُّ كَوْنِهِ تَعَالَى سَمِيعًا.
  • التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُ تَعَالَى أَعْمَى، وَهُوَ ضِدُّ كَوْنِهِ تَعَالَى بَصِيرًا.
  • الْعِشْرُونَ: كَوْنُهُ تَعَالَى أَبْكَمَ، وَفِي مَعْنَاهُ الْخَرَسُ وَهُوَ ضِدُّ كَوْنِهِ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا.

فَهَذِهِ الْعِشْرُونَ كُلُّهَا مُسْتَحِيلَاتٌ عَلَيْهِ تَعَالَى.وَاعْلَمْ أَنَّ دَلِيلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِشْرِينَ الْوَاجِبَةِ يُثْبِتُهَا لَهُ تَعَالَى وَيَنْفِي عَنْهُ ضِدَّهَا.وَأَدِلَّةُ السَّبْعِ الْمَعَانِي هِيَ أَدِلَّةُ السَّبْعِ الْمَعْنَوِيَّةِ.فَهَذِهِ أَرْبَعُونَ عَقِيدَةً يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهَا عِشْرُونَ وَيَنْتَفِي عَنْهُ تَعَالَى عِشْرُونَ وَعِشْرُونَ دَلِيلًا إِجْمَالِيًّا كُلُّ دَلِيلٍ أَثْبَتَ صِفَةً وَنَفَى ضِدَّهَا.

تَنْبِيهٌ

قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَشْيَاءُ أَرْبَعَةٌ: مَوْجُودَاتٌ، وَمَعْدُومَاتٌ، وَأَحْوَالٌ، وَاعْتِبَارَاتٌ.فَالْمَوْجُودَاتُ، كَذَاتِ زَيْدٍ الَّتِي تَرَاهَا.وَالْمَعْدُومَاتُ، كَوَلَدِكَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ.وَالْأَحْوَالُ، كَالْكَوْنِ قَادِرًا.وَالِاعْتِبَارَاتُ، كَثُبُوتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ.

وَعَلَى هَذَا أَعْنِي كَوْنَ الْأَشْيَاءِ أَرْبَعَةً، جَرَى السَّنُوسِيُّ فِي الصُّغْرَى لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْأَحْوَالَ، وَجَعَلَ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةَ عِشْرِينَ، وَجَرَى فِي غَيْرِهَا عَلَى نَفْيِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ الْحَقُّ.فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الصِّفَاتُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ مِنْهَا السَّبْعُ الْمَعْنَوِيَّةُ، وَهِيَ كَوْنُهُ تَعَالَى قَادِرًا إِلَى آخِرِهَا، فَلَيْسَ لَهُ تَعَالَى صِفَةٌ تُسَمَّى كَوْنَهُ قَادِرًا، لِأَنَّ الْحَقَّ نَفْيُ الْأَحْوَالِ.فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْأَشْيَاءُ ثَلَاثَةً: مَوْجُودَاتٍ وَمَعْدُومَاتٍ وَاعْتِبَارَاتٍ، وَإِذَا سَقَطَ مِنَ الْعِشْرِينَ الْوَاجِبَةِ سَبْعٌ مَعْنَوِيَّةٌ يَسْقُطُ مِنَ الْأَضْدَادِ سَبْعٌ أَيْضًا، فَلَيْسَ هُنَاكَ صِفَةٌ تُسَمَّى الْكَوْنَ عَاجِزًا إِلَى آخِرِهَا، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى عَدِّهَا مِنَ الْمُسْتَحِيلَاتِ فَتَكُونُ الْمُسْتَحِيلَاتُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَيْضًا، هَذَا إِنْ عُدَّ الْوُجُودُ صِفَةً وَهُوَ رَأْيُ غَيْرِ الْأَشْعَرِيِّ.وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ الْأَشْعَرِيِّ فَالْوُجُودُ عَيْنُ الْمَوْجُودِ، فَوُجُودُهُ تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ، فَيَكُونُ الْوُجُودُ لَيْسَ بِصِفَةٍ، فَتَكُونُ الصِّفَاتُ الْوَاجِبَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ الْقِدَمَ وَالْبَقَاءَ وَالْمُخَالَفَةَ وَالْقِيَامَ بِنَفْسِهِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِغْنَاءِ الْمُطْلَقِ وَالْوَحْدَانِيَّةَ، وَالْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْعِلْمَ، وَالْحَيَاةَ، وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ وَتَسْقُطُ الْمَعْنَوِيَّةُ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْأَحْوَالِ، وَالْحَقُّ خِلَافُهُ.

وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُعَلِّمَ صِفَاتِهِ تَعَالَى لِلْعَامَّةِ، فَأَثْبِتْ بِهَا أَسْمَاءً مُشْتَقَّةً مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَاتِ، فَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى: مَوْجُودٌ، قَدِيمٌ، مُخَالِفٌ لِلْحَوَادِثِ، مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَاحِدٌ، قَادِرٌ، مُرِيدٌ، عَالِمٌ، حَيٌّ، سَمِيعٌ، بَصِيرٌ، مُتَكَلِّمٌ، وَيُعَلَّمُونَ أَضْدَادَهَا.

وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاخِ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَحْوَالِ وَالِاعْتِبَارَاتِ فَقَالَ: الْحَالُ وَالِاعْتِبَارُ كُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مَعْدُومٍ، بَلْ لَهُ تَحَقُّقٌ فِي نَفْسِهِ إِلَّا أَنَّ الْحَالً لَهُ تَعَلُّقٌ وَقِيَامٌ بِالذَّاتِ، وَالِاعْتِبَارَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالذَّاتِ وَيَقُولُ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ يَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ الْأَذْهَانِ.وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ صِفَةٌ، وَإِذَا كَانَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالذَّاتِ وَيَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ الْأَذْهَانِ فَأَيْنَ مَوْصُوفُهُ، وَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا بَلْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَوْصُوفٍ، فَالْحَقُّ أَنَّ الِاعْتِبَارَاتِ لَا تَحَقُّقَ لَهَا إِلَّا فِي الذِّهْنِ، وَهِيَ قِسْمَانِ:

  • اعْتِبَارٌ اخْتِرَاعِيٌّ: وَهُوَ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْوُجُودِ، كَفَرْضِكَ الْكَرِيمَ بَخِيلًا وَالْجَاهِلَ عَالِمًا.
  • وَاعْتِبَارٌ انْتِزَاعِيٌّ: وَهُوَ الَّذِي لَهُ أَصْلٌ فِي الْخَارِجِ، كَثُبُوتِ قِيَامِ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِكَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَاتِّصَافُ زَيْدٍ بِالْقِيَامِ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ.

الْعَقِيدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْجَائِزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى

فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجُوزُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَخْلُقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَيَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الْإِسْلَامَ فِي زَيْدٍ، وَالْكُفْرَ فِي عَمْرٍو، وَالْعِلْمَ فِي أَحَدِهِمَا، وَالْجَهْلَ فِي الْآخَرِ.

وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنَّ الْأُمُورَ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ.وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى: الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ:

  • فَقِيلَ: الْقَضَاءُ: إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعَلُّقُهَا الْأَزَلِيُّ، وَالْقَدَرُ: إِيجَادُ اللَّهِ تَعَالَى الْأَشْيَاءَ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ، فَإِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَةُ أَزَلًا بِأَنَّكَ تَصِيرُ عَالِمًا أَوْ سُلْطَانًا قَضَاءٌ، وَإِيجَادُ الْعِلْمِ فِيكَ بَعْدَ وُجُودِكَ أَوِ السُّلْطَنَةِ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ قَدَرٌ.
  • وَقِيلَ: الْقَضَاءُ: عِلْمُ اللَّهِ الْأَزَلِيُّ وَتَعَلُّقُهُ بِالْمَعْلُومِ، وَالْقَدَرُ: إِيجَادُ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ، فَعِلْمُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ أَزَلًا بِأَنَّ الشَّخْصَ يَصِيرُ عَالِمًا بَعْدَ وُجُودِهِ قَضَاءٌ، وَإِيجَادُ الْعِلْمِ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِهِ قَدَرٌ.

وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَالْقَضَاءُ قَدِيمٌ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، إِمَّا الْإِرَادَةُ أَوِ الْعِلْمُ، وَالْقَدَرُ حَادِثٌ، لِأَنَّهُ الْإِيجَادُ، وَالْإِيجَادُ مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْقُدْرَةِ وَتَعَلُّقَاتُ الْقُدْرَةِ حَادِثَةٌ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُمْكِنَاتِ جَائِزَةٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: أَنَّهُ اتُّفِقَ عَلَى جَوَازِهَا، فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى فِعْلُ شَيْءٍ مِنْهَا لَانْقَلَبَ الْجَائِزُ وَاجِبًا، وَلَوْ امْتَنَعَ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْهَا لَانْقَلَبَ الْجَائِزُ مُسْتَحِيلًا، وَانْقِلَابُ الْجَائِزِ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحِيلًا بَاطِلٌ.

وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَالَى: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ الصَّلَاحَ بِالْعَبْدِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ، وَهَذَا زُورٌ عَلَيْهِ تَعَالَى وَكَذِبٌ، تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَخَلْقُهُ الْإِيمَانَ فِي زَيْدٍ مَثَلًا وَإِعْطَاؤُهُ الْعِلْمَ مِنْ فَضْلِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ.وَمِمَّا يُرَدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْأَطْفَالَ يَنْزِلُ بِهِمُ الضَّرَرُ مِنَ الْأَسْقَامِ وَالْأَمْرَاضِ، وَهَذَا لَا صَلَاحَ فِيهِ لِلْأَطْفَالِ، وَلَوْ كَانَ الصَّلَاحُ وَاجِبًا عَلَيْهِ تَعَالَى لَمَا نَزَلَ الضَّرَرُ بِالْأَطْفَالِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَتْرُكُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ تَعَالَى، لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ نَقْصٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ بِالْإِجْمَاعِ.

وَإِثَابَتُهُ تَعَالَى لِلْمُطِيعِ فَضْلٌ مِنْهُ وَعِقَابُهُ لِلْعَاصِي عَدْلٌ مِنْهُ، إِذْ لَا تَنْفَعُهُ تَعَالَى طَاعَةٌ وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ، لِأَنَّهُ النَّافِعُ الضَّارُّ وَإِنَّمَا هَذِهِ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ مَنِ اتَّصَفَ بِهِمَا.فَمَنْ أَرَادَ قُرْبَهُ وَفَّقَهُ لِلطَّاعَةِ، وَمَنْ أَرَادَ خِذْلَانَهُ وَبُعْدَهُ خَلَقَ فِيهِ الْمَعْصِيَةَ، فَجَمِيعُ الْأُمُورِ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْعَبْدَ وَمَا عَمِلَهُ الْعَبْدُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ الصَّافَّاتِ.

وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: يَجُوزُ أَنْ يُرَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْجَبَلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ الْأَعْرَافِ، وَاسْتِقْرَارُ الْجَبَلِ جَائِزٌ، فَيَكُونُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنَ الرُّؤْيَةِ جَائِزًا، لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى الْجَائِزِ جَائِزٌ.لَكِنَّ رُؤْيَتَنَا لَهُ تَعَالَى بِلَا كَيْفٍ، أَيْ: لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ بَعْضِنَا بَعْضًا، فَلَا يُرَى تَعَالَى فِي جِهَةٍ وَلَا بِلَوْنٍ وَلَا يُرَى تَعَالَى جِسْمًا - تَنَزَّهَ اللَّهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَنَفَى الرُّؤْيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى الْمُعْتَزِلَةُ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ مِنْ عَقَائِدِهِمُ الزَّائِغَةِ الْبَاطِلَةِ.

وَمِنْ عَقَائِدِهِمُ الْفَاسِدَةِ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ وَلِأَجْلِ قَوْلِهِمْ هَذَا يُسَمَّوْنَ بِالْقَدَرِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعَبْدِ بِقُدْرَتِهِ كَمَا سُمِّيَتِ الطَّائِفَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بِالْجَبْرِيَّةِ، نِسْبَةً إِلَى قَوْلِهِمْ: بِجَبْرِ الْعَبْدِ وَقَهْرِهِ، وَهِيَ عَقِيدَةٌ زَائِغَةٌ أَيْضًا.وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ مَجْبُورًا، بَلْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ مِنَ الْعَبْدِ مَعَ كَوْنِ الْعَبْدِ لَهُ اخْتِيَارٌ فِيهَا.قَالَ السَّعْدُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: وَهَذَا الِاخْتِيَارُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ، بَلِ الشَّخْصُ يَجِدُ بَيْنَ حَرَكَةِ يَدِهِ إِذَا حَرَّكَهَا هُوَ وَبَيْنَ مَا إِذَا حَرَّكَهَا الْهَوَاءُ قَهْرًا عَنْهُ فَرْقًا.

وَمِنَ الْجَائِزِ عَلَيْهِ تَعَالَى: إِرْسَالُ جَمِيعِ الرُّسُلِ: فَإِرْسَالُهُ تَعَالَى لَهُمْ - عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - بِفَضْلِهِ لَا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا مَرَّ.

وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ أَفْضَلَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ أَجْمَعِينَ.وَيَلِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ بَقِيَّةُ أُولِي الْعَزْمِ، وَهُمْ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ، فَسَيِّدُنَا مُوسَى، فَسَيِّدُنَا عِيسَى، فَسَيِّدُنَا نُوحٌ، وَهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَكَوْنُهُمْ خَمْسَةً: نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَرْبَعَةُ بَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ.وَقِيلَ: أُولُو الْعَزْمِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَلِي أُولِي الْعَزْمِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ بَقِيَّةُ الرُّسُلِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ.

وَيَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيَّدَهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ وَاخْتَصَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ خَاتَمُ الرُّسُلِ، وَبِأَنَّ شَرْعَهُ لَا يُنْسَخُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الزَّمَنُ.وَعِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ نُزُولِهِ يَحْكُمُ بِشَرْعِ نَبِيِّنَا، فَقِيلَ: يَأْخُذُهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقِيلَ: يَذْهَبُ إِلَى الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَيَتَعَلَّمُهُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُنْسَخُ بَعْضُ شَرْعِ نَبِيِّنَا بِبَعْضِهِ الْآخَرِ، كَمَا نُسِخَ وُجُوبُ كَوْنِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا سَنَةً بِوُجُوبِ كَوْنِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَقْضَ فِي ذَلِكَ.

وَيَجِبُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى أَنْ يَعْرِفَ الرُّسُلَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآنِ تَفْصِيلًا وَيُصَدِّقَ بِهِمْ تَفْصِيلًا، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِمْ إِجْمَالًا، لَكِنْ نَقَلَ السَّعْدُ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ أَنَّهُ يَكْفِي الْإِجْمَالُ لَكِنَّهُ لَمْ يُتَّبَعْ، وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:

حَتْمٌ عَلَى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةٌ | بِأَنْبِيَاءَ عَلَى التَّفْصِيلِ قَدْ عُلِمُوا

فِي تِلْكَ حُجَّتُنَا مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ | مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ وَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَهُمُو

إِدْرِيسُ هُودٌ شُعَيْبٌ صَالِحٌ وَكَذَا | ذُو الْكِفْلِ آدَمُ بِالْمُخْتَارِ قَدْ خُتِمُوا

وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ: أَنَّ أَصْحَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الْقُرُونِ، ثُمَّ التَّابِعُونَ لَهُمْ، ثُمَّ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ.وَأَفْضَلُ الصَّحَابَةِ أَبُو بَكْرٍ فَعُمَرُ فَعُثْمَانُ فَعَلِيٌّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، لَكِنْ قَالَ الْعَلْقَمِيُّ: سَيِّدَتُنَا فَاطِمَةُ وَأَخُوهَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى مِنَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَكَانَ سَيِّدُنَا مَالِكٌ يَقُولُ: لَا أُفَضِّلُ عَلَى بَضْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ، وَنَلْقَى اللَّهَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَيْضًا: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ فِي مَكَّةَ وَتُوُفِّيَ فِي الْمَدِينَةِ.وَيَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ.قَالَ الْأَجْهُورِيُّ: وَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَعْرِفَ نَسَبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَمِنْ جِهَةِ أُمِّهِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْخَاتِمَةِ.وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ شَخْصٍ: عَدَدَ أَوْلَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْتِيبَهُمْ فِي الْوِلَادَةِ.لِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلشَّخْصِ أَنْ يَعْرِفَ سَادَاتِهِ وَهُمْ سَادَاتُ الْأُمَّةِ، لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا فِيمَا رَأَيْتُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ أَوْ نَدْبِهِ، لَكِنَّ قِيَاسَ نَظَائِرِهِ الْوُجُوبُ.وَأَوْلَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةٌ، ثَلَاثَةُ ذُكُورٍ وَأَرْبَعُ إِنَاثٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَرْتِيبُهُمْ فِي الْوِلَادَةِ: الْقَاسِمُ، وَهُوَ أَوَّلُ أَوْلَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ زَيْنَبُ، ثُمَّ رُقَيَّةُ، ثُمَّ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِالطَّيِّبِ وَبِالطَّاهِرِ، فَهُمَا لَقَبَانِ لِعَبْدِ اللَّهِ لَا اسْمَانِ لِشَخْصَيْنِ مُغَايِرَيْنِ لَهُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ سَيِّدَتِنَا خَدِيجَةَ، وَالسَّابِعُ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ.هَذَا وَلْنَرْجِعْ إِلَى تَمَامِ الْعَقَائِدِ.

  • الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الصِّدْقُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِمْ.
  • الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْأَمَانَةُ، أَيْ: عِصْمَتُهُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مُحَرَّمٍ أَوْ فِي مَكْرُوهٍ.
  • الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَبْلِيغُ مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
  • الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْفَطَانَةُ.

فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تَجِبُ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهَا، وَيَتَوَقَّفُ الْإِيمَانُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ السَّنُوسِيِّ وَغَيْرِهِ.

وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَضْدَادُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ: الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوِ الْكِتْمَانُ لِشَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ وَالْبَلَادَةُ.فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهَا، وَيَتَوَقَّفُ الْإِيمَانُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَهَذِهِ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ عَقِيدَةً.

وَتَمَامُ الْخَمْسِينَ: جَوَازُ وُقُوعِ الْأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ بِهِمْ الَّتِي لَا تُؤَدِّي إِلَى نَقْصٍ فِي مَرَاتِبِهِمُ الْعَلِيَّةِ.

أَدِلَّةُ صِفَاتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

وَدَلِيلُ وُجُوبِ الصِّدْقِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنَّهُمْ لَوْ كَذَبُوا لَكَانَ خَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى كَاذِبًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَدَّقَ دَعْوَاهُمُ الرِّسَالَةَ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَالْمُعْجِزَةُ نَازِلَةٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي.

وَتَوْضِيحُهُ: أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا أَتَى قَوْمَهُ وَقَالَ: أَنَا رَسُولٌ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ، وَقَالُوا لَهُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى رِسَالَتِكَ؟ وَقَالَ لَهُمْ: انْشِقَاقُ هَذَا الْجَبَلِ مَثَلًا، فَإِذَا قَالُوا لَهُ: ائْتِ بِمَا قُلْتَ يَشُقُّ اللَّهُ الْجَبَلَ عِنْدَ قَوْلِهِمُ الْمَذْكُورِ، تَصْدِيقًا لِدَعْوَى الرَّسُولِ الرِّسَالَةَ، فَشَقُّ اللَّهِ تَعَالَى الْجَبَلَ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي، فَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ كَاذِبًا لَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ كَاذِبًا، وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ، فَيَكُونُ كَذِبُ الرُّسُلِ مُحَالًا، وَإِذَا انْتَفَى عَنْهُمُ الْكَذِبُ ثَبَتَ لَهُمُ الصِّدْقُ.

وَأَمَّا دَلِيلُ الْأَمَانَةِ، أَيْ: عِصْمَتِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ: أَنَّهُمْ لَوْ خَانُوا بِارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ لَكُنَّا مَأْمُورِينَ بِمِثْلِ مَا يَفْعَلُونَهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ نُؤْمَرَ بِمُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا الطَّاعَةَ إِمَّا وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً، وَلَا تَدْخُلُ أَفْعَالُهُمُ الْمُبَاحَاتِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا الْمُبَاحَ يَكُونُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.

وَأَمَّا دَلِيلُ التَّبْلِيغِ: فَلِأَنَّهُمْ لَوْ كَتَمُوا لَكُنَّا مَأْمُورِينَ بِكِتْمَانِ الْعِلْمِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ نَكْتُمَ الْعِلْمَ، لِأَنَّ كَاتِمَهُ مَلْعُونٌ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُمُوا، فَثَبَتَ لَهُمُ التَّبْلِيغُ.

وَأَمَّا دَلِيلُ الْفَطَانَةِ، أَيِ: الْحِذْقِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: فَلِأَنَّهُمْ لَوِ انْتَفَتْ عَنْهُمُ الْفَطَانَةُ لَمَا قَدَرُوا أَنْ يُقِيمُوا حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ، لَكِنَّ إِقَامَةَ الْحُجَجِ مِنْهُمْ عَلَى الْخَصْمِ دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَإِقَامَةُ الْحُجَجِ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ الْفَطِنِ.

وَأَمَّا دَلِيلُ جَوَازِ وُقُوعِ الْأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ بِهِمْ: فَلِأَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَتَرَقَّوْنَ فِي الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، وَوُقُوعُ الْأَمْرَاضِ بِهِمْ مَثَلًا زِيَادَةٌ فِي مَرَاتِبِهِمُ الْعَلِيَّةِ، وَلِأَجْلِ أَنْ يَتَسَلَّى بِهِمْ غَيْرُهُمْ، وَيَعْرِفَ الْعَاقِلُ أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ جَزَاءٍ لِأَحْبَابِهِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ دَارَ جَزَاءٍ لِأَحْبَابِهِ لَمَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنْ تَكَدُّرَاتِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، وَعَلَى رَئِيسِهِمُ الْأَعْظَمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَجْمَعِينَ.

الْعَقَائِدُ السَّمْعِيَّةُ

وَقَدْ تَمَّتِ الْخَمْسُونَ عَقِيدَةً بِأَدِلَّتِهَا الشَّرِيفَةِ، وَلْنَذْكُرْ لَكَ شَيْئًا مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَدِلَّتُهَا سَمْعِيَّةٌ:

  • فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِأَنَّ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْضًا وَالْجَهْلُ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الصِّرَاطِ أَوْ قَبْلَهُ لَا يَضُرُّ، تَرِدُهُ الْخَلَائِقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ غَيْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي هُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ.
  • وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّهُ يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ حِينَ تَقِفُ النَّاسُ وَيَتَمَنَّوْنَ الِانْصِرَافَ وَلَوْ لِلنَّارِ، فَيَشْفَعُ فِي انْصِرَافِهِمْ مِنَ الْمَوْقِفِ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
  • وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْكَبَائِرِ غَيْرُ مُكَفِّرٍ، وَلَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَتَجِبُ التَّوْبَةُ حَالًا مِنَ الذَّنْبِ وَلَوْ صَغِيرَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهَا، وَلَا تَنْتَقِضُ التَّوْبَةُ بِعَوْدَةٍ إِلَى الذَّنْبِ، بَلْ يَجِبُ لِهَذَا الذَّنْبِ تَوْبَةٌ جَدِيدَةٌ.
  • وَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْكِبْرَ وَالْحَسَدَ وَالْغِيبَةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ لِأَبْوَابِ السَّمَاءِ حُجَّابًا يَرُدُّونَ أَعْمَالَ أَهْلِ الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالْغِيبَةِ أَيْ: يَمْنَعُونَهَا مِنَ الصُّعُودِ، فَلَا تُقْبَلُ.
    • وَالْحَسَدُ: تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ سَوَاءٌ كَانَ تَمَنَّى أَنْ تَأْتِيَ لَهُ - أَيْ: لِلْحَاسِدِ - أَوْ: لَا.
    • وَالْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ الْخَلْقِ، وَمَعْنَى بَطَرِ الْحَقِّ رَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَمَعْنَى: غَمْصِ الْخَلْقِ الِاسْتِهْزَاءُ بِهِمْ.
  • وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ النَّمِيمَةَ، وَهِيَ السَّعْيُ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ، لِأَنَّهُ وَرَدَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَآخِرُهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ أَيْضًا.
  • وَمَحَلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُرْمَةِ الْحَسَدِ إِنْ لَمْ تَكُنِ النِّعْمَةُ حَامِلَةً لِلْمَحْسُودِ عَلَى الْفُجُورِ وَإِلَّا جَازَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْهُ.
  • وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ بَعْضَ مَنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ يُعَذَّبُ وَلَوْ وَاحِدًا.

خَاتِمَةٌ فِي تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ

لُغَةً: مُطْلَقُ التَّصْدِيقِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾.

وَشَرْعًا: التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمَعْرِفَةُ، فَكُلُّ مَنْ عَرَفَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَيَرِدُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ الْكَافِرَ عَارِفٌ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَيْضًا لَا يُنَاسِبُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ: إِنَّ الْمُقَلِّدَ مُؤْمِنٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَارِفٍ.

فَالتَّحْقِيقُ: تَفْسِيرُ التَّصْدِيقِ بِأَنَّهُ: حَدِيثُ النَّفْسِ التَّابِعُ لِلْجَزْمِ، سَوَاءٌ كَانَ بِجَزْمٍ عَنْ دَلِيلٍ وَيُسَمَّى مَعْرِفَةً أَوْ عَنِ التَّقْلِيدِ.فَيَخْرُجُ الْكَافِرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ حَدِيثُ النَّفْسِ، لِأَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ النَّفْسِ أَنْ تَقُولَ: رَضِيتُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَفْسُ الْكَافِرِ لَا تَقُولُ ذَلِكَ، وَدَخَلَ الْمُقَلِّدُ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ حَدِيثُ نَفْسٍ تَابِعٌ لِلْجَزْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَزْمُهُ عَنْ دَلِيلٍ.

نَسَبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتُهُ

وَمِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ أَيْضًا مَعْرِفَةُ نَسَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَمِنْ جِهَةِ أُمِّهِ:

  • فَأَمَّا نَسَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ فَهُوَ: سَيِّدُنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى هَذَا النَّسَبِ إِلَى عَدْنَانَ، وَلَيْسَ فِيمَا بَعْدَهُ إِلَى آدَمَ طَرِيقٌ صَحِيحٌ فِيمَا يُنْقَلُ.
  • وَأَمَّا نَسَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ فَهِيَ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعَبْدُ مَنَافٍ هَذَا غَيْرُ عَبْدِ مَنَافٍ جَدِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بْنِ كِلَابٍ أَحَدِ أَجْدَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَجْتَمِعُ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمُّهُ فِي جَدِّهِ كِلَابٍ.

وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَضُ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ.

وَهَذَا آخِرُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ فَضْلِهِ.وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

Berbagi

Postingan Terkait

Posting Komentar

Konfirmasi Penutupan

Apakah anda yakin ingin menutup pemutaran video ini?