Skip to Content
Loading...
Admin Talaqqi
Admin Talaqqi
Online
Halo 👋
Ada yang bisa dibantu?

Kitab Bidayatul Ushul Karya Syaikh Mansur

 

بِدَايَةُ الْأُصُولِ

فِي مَعَارِجِ الْأُصُولِ

 

تَأْلِيفُ

الشَّيْخِ الْحَاجِّ مَنْصُورٍ

مُؤَسِّسِ مَدْرَسَةِ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ (يَاتِي)

كَامَنْج مَودِئ أَجَم سُمَطْرَا الْغَرْبِيَّةِ

تَقْرِيظٌ

مِنْ مُرَبِّينَا الْفَاضِلِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ الرَّسُولِيِّ

رَئِيسِ دِيوَانِ التَّعْلِيمِ وَالدَّرْسِ لِجَمْعِيَّةِ اتِّحَادِ عُلَمَاءِ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِالْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ مَيَّزَ بَيْنَ الْجَهْلِ وَالْمَعْلُومِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ صَلَاةً وَسَلَامًا يَدُومَانِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ وَصَلَ إِلَيْنَا هَذِهِ الرِّسَالَةُ، فَطَالَعْتُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا. فَوَجَدْتُ مُطَابِقاً لِلصَّوَابِ مَا فِيهَا وَلِذَلِكَ قَرَّرْتُهَا لِلسَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مَدَارِسِ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُؤَلِّفَ قُدْوَةَ الْخَيْرَاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ آمِينَ يَا مُجِيبَ السَّائِلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

كَتَبَهُ أَفْقَرُ النَّاسِ خَادِمُ مَدَارِسِ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الرَّسُولِيُّ

١٧ رَمَضَانَ ١٣٦٠ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ


 

مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أُصُولِ الْكَائِنَاتِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ صَلَاةً وَسَلَاماً يَدُومَانِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَمَرَتْنِي جَمْعِيَّةُ عُلَمَاءِ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَنْ أُؤَلِّفَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ الصَّغِيرَةَ فَأَجَبْتُ إِلَى ذَلِكَ وَرَتَّبْتُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مُقَدِّمَاتٍ وَتَقْرِيظٍ وَأَبْوَابٍ وَأَرْجُو الْقَبُولَ مِنَ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ. وَسَمَّيْتُهَا بِدَايَةَ الْأُصُولِ فِي مَعَارِجِ عِلْمِ الْأُصُولِ، هَذَا أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ، وَأَرْجُو مِنْهُ الْمَغْفِرَةَ لِلذُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، آمِينَ يَا مُجِيبَ السَّائِلِينَ.


 

الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي أُصُولِ الْفِقْهِ

   الْأَصْلُ لُغَةً: مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَأَصْلِ الْجِدَارِ أَيْ أَسَاسِهِ وَأَصْلِ الشَّجَرَةِ أَيْ طَرَفِهَا الثَّابِتِ فِي الْأَرْضِ.

   وَاصْطِلَاحاً: يُقَالُ عَلَى الدَّلِيلِ كَقَوْلِهِمْ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَيِ الدَّلِيلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.

   الْفَرْعُ: مَا يُبْنَى عَلَى غَيْرِهِ كَفُرُوعِ الشَّجَرَةِ لِأَصْلِهَا.

   أُصُولُ الْفِقْهِ: أَدِلَّةُ الْفِقْهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، كَقَوْلِهِمُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ حُجَجٌ.

   الْفِقْهُ لُغَةً: الْفَهْمُ.

   وَاصْطِلَاحًا: مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي طَرِيقُهَا الْإِجْتِهَادُ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ. وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ مَا يَشْمَلُ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ.

·    الْعِلْمُ: صِفَةٌ يَنْكَشِفُ بِهَا الْمَطْلُوبُ إِنْكِشَافًا تَامًّا.

·    الْجَهْلُ: عَدَمُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ.

·    الظَّنُّ: الْإِدْرَاكُ الرَّاجِحُ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.

·    الْوَهْمُ: الْإِدْرَاكُ الْمَرْجُوحُ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.

·    الشَّكُّ: التَّرَدُّدُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ.

أَمَّا مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ طَرِيقُهَا الْإِجْتِهَادَ فَلَا يُسَمَّى فِقْهًا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَاجِبَاتٌ وَشُرْبِ الْخَمْرِ مُحَرَّمٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ.

الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالْإِسْتِصْحَابِ

   الْكِتَابُ: وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإِعْجَازِ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ.

   السُّنَّةُ: هُوَ أَقْوَالُهُ ﷺ وَأَعْمَالُهُ وَتَقْرِيرُهُ.

     الْإِجْمَاعُ: هُوَ اتِّفَاقُ كُلِّ مُجْتَهِدِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي عَصْرٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ.

   الْقِيَاسُ: هُوَ رَدُّ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ لِعِلَّةٍ تَجْمَعُهُمَا فِي الْحُكْمِ كَقِيَاسِ الْأَرُزِّ عَلَى الْبُرِّ فِي الرِّبَا بِجَامِعِ الطَّعَامِ.

   الْإِسْتِصْحَابُ: هُوَ ثُبُوتُ أَمْرٍ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي لِثُبُوتِهِ فِي الْأَوَّلِ.

الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ

الْأَحْكَامُ تِسْعَةٌ: الْوَاجِبُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمُبَاحُ، وَالْحَرَامُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْبَاطِلُ، وَالرُّخْصَةُ، وَالْعَزِيمَةُ.

   فَالْوَاجِبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِنَّ.

   وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَصَوْمِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وَالصَّدَقَةِ.

   وَالْمُبَاحُ: مَا لَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.

   وَالْحَرَامُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ.

   وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ كَأَكْلِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ.

   وَالصَّحِيحُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَالْإِعْتِدَادُ بِأَنْ يَجْمَعَ فِيهِ الْأَرْكَانَ وَالشُّرُوطَ وَيَخْلُوَ عَنِ الْمُفْسِدَةِ.

   وَالْبَاطِلُ: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ بِأَنْ لَمْ يَسْتَجْمِعْ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَرْعًا. وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ إِمَّا رُكْنٌ وَإِمَّا شَرْطٌ.

·    فَالرُّكْنُ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الشَّيْءِ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْهُ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ.

·    وَالشَّرْطُ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الشَّيْءِ وَلَيْسَ جُزْءًا مِنْهُ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ لِلصَّلَاةِ.

   وَالرُّخْصَةُ: هِيَ الْحُكْمُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ مِنْ صُعُوبَةٍ إِلَى سُهُولَةٍ مَعَ قِيَامِ سَبَبِ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ كَجَوَازِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ.

   وَالْعَزِيمَةُ: هِيَ الْحُكْمُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَحُرْمَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ.

أَبْوَابُ أُصُولِ الْفِقْهِ خَمْسَةَ عَشْرَ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ

   الْمَنْطُوقُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، كَتَحْرِيمِ التَّأَفُّفِ الدَّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ (الْإِسْرَاءُ: ٢٣)

   وَالْمَفْهُومُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ الدَّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ (الْإِسْرَاءُ: ٢٣)

فَالْمَنْطُوقُ قِسْمَانِ:

١. نَصٌّ: وَهُوَ: مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (الْبَقَرَةُ: ٢٣٤)

٢. ظَاهِرٌ: وَهُوَ: مَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ أَسَداً ظَاهِرُهُ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ مُحْتَمِلٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ.

وَالْمَفْهُومُ قِسْمَانِ:

١. مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ: وَهُوَ مَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ (الْإِسْرَاءُ: ٢٣)

٢. مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ: وَهُوَ: مَا خَالَفَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ كَعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَعْلُوفَةِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ).

الْبَابُ الثَّانِي فِي الْأَمْرِ

وَالْأَمْرُ هُوَ: طَلَبُ الْفِعْلِ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى وَفِيهِ قَوَاعِدُ:

١. الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ.

٢. الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.

٣. الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَلَا التَّرَاخِيَ بَلْ يَشْمَلُ كُلًّا مِنْهُمَا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إِيجَابُ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ لِلْفِعْلِ بِالزَّمَانِ الْأَوَّلِ دُونَ الزَّمَانِ الثَّانِي.

٤. الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ أَمْرٌ بِهِ وَبِمَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ، كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِالْوُضُوءِ.

٥. إِذَا فَعَلَ الْمَأْمُورُ الْمَطْلُوبَ يَخْرُجُ الْمَأْمُورُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ.

٦. الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَاحِداً كَانَ الضِّدُّ أَوْ أَكْثَرَ، كَالْأَمْرِ بِالسُّكُونِ نَهْيٌ عَنِ التَّحَرُّكِ وَالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ نَهْيٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْقُعُودِ وَالْإِضْطِجَاعِ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي النَّهْيِ

وَالنَّهْيُ هُوَ: طَلَبُ التَّرْكِ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى بِصِيغَةِ لَا تَفْعَلْ لَا بِنَحْوِ اتْرُكْ وَكُفَّ وَدَعْ، وَفِيهِ قَوَاعِدُ:

١. الْأَصْلُ فِي النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا (الْإِسْرَاءُ: ٣٢)

٢. النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَمْرٌ بِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ (الْإِسْرَاءُ: ٣١)

٣. الْأَصْلُ فِي النَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِيمَا عَدَا الْمُعَامَلَاتِ، كَصَلَاةِ الْحَائِضِ وَصَوْمِهَا، وَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَيَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ إِنْ رَجَعَ النَّهْيُ إِلَى أَمْرٍ دَاخِلٍ فِيهَا كَبَيْعِ الْمَلَاقِيحِ أَيْ مَا فِي الْبُطُونِ مِنَ الْأَجِنَّةِ أَوْ إِلَى أَمْرٍ لَازِمٍ لَهَا كَالنَّهْيِ عَنْ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ اللَّازِمَةِ بِالشَّرْطِ.

٤. النَّهْيُ الْمُطْلَقُ مُقْتَضٍ لِلْفَوْرِ وَالتَّكْرَارِ فَيَجِبُ الِانْتِهَاءُ فِي الْحَالِ وَاسْتِمْرَارُ الْكَفِّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ.

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْعَامِّ

وَالْعَامُّ هُوَ: لَفْظٌ يَعُمُّ دَفْعَةً أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى حَصْرٍ.

وَالْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْعُمُومِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:

١. الِاسْمُ الْوَاحِدُ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (الْعَصْرُ: ٢)

٢. الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (الْمُؤْمِنُونَ: ١). وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ مَا يَشْمَلُ اسْمَ الْجِنْسِ الْجَمْعِيَّ نَحْوُ التَّمْرُ قُوتٌ وَلَا فِي النَّكِرَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا شِيَةَ فِيهَا (الْبَقَرَةُ: ٧١)

٣. الْأَسْمَاءُ الْمُبْهَمَةُ كَمَنْ فِيمَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (الزَّلْزَلَةُ: ٧). وَمَا فِيمَا لَا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَأَيٍّ فِيهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (الْإِسْرَاءُ: ١١٠). وَأَيْنَ فِي الْمَكَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ (النِّسَاءُ: ٧٨). وَمَتَى فِي الزَّمَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (الْمُلْكُ: ٢٥).

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْخَاصِّ وَالتَّخْصِيصِ

   وَالْخَاصُّ هُوَ: لَفْظٌ لَا يَعُمُّ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ عَمَّ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مَعَ الْحَصْرِ، نَحْوُ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ وَثَلَاثَةِ رِجَالٍ.

   وَالتَّخْصِيصُ: إِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ الْعَامُّ، وَهُوَ قِسْمَانِ: مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ.

فَالْمُتَّصِلُ: مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ بَلْ يَكُونُ مَذْكُوراً مَعَ الْعَامِّ وَهُوَ أَنْوَاعٌ:

·    مِنْهَا الشَّرْطُ، نَحْوُ: أَكْرِمِ الْفُقَرَاءَ إِنْ زَهِدُوا.

·    وَمِنْهَا التَّقْيِيدُ بِالصِّفَةِ، نَحْوُ: أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ الْفُقَهَاءَ.

·    وَمِنْهَا الْإِسْتِثْنَاءُ، نَحْوُ جَاءَ الْفُقَهَاءُ إِلَّا زَيْداً.

·    وَمِنْهَا الْغَايَةُ، نَحْوُ: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (الْبَقَرَةُ: ٢٢٢).

·    وَمِنْهَا الْبَدَلُ، نَحْوُ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (آلِ عِمْرَانَ: ٩٧).

فَالْمُنْفَصِلُ: مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ مَذْكُوراً مَعَ الْعَامِّ بَلْ يَكُونُ مُنْفَرِداً. وَهُوَ أَنْوَاعٌ:

١. تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ (الْبَقَرَةُ: ٢٢١)، خُصِّصَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ (الْمَائِدَةُ: ٥).

٢. تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ (النِّسَاءُ: ١١)، الشَّامِلِ لِلْوَلَدِ الْكَافِرِ. خُصِّصَ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ.

٣. تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ كَتَخْصِيصِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (النِّسَاءُ: ٤٣).

٤. تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ كَتَخْصِيصِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، بِحَدِيثِهِمَا: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ.

٥. تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (النُّورُ: ٢). فَإِنَّهُ خُصَّ مِنْهَا الْعَبْدُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَمَةِ وَعَلَيْهَا النِّصْفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (النِّسَاءُ: ٢٥).

٦. تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ). وَهَذَا فِي غَيْرِ الْوَالِدِ مَعَ وَلَدِهِ. أَمَّا هُوَ فَلَا يَحِلُّ عِرْضُهُ وَعُقُوبَتُهُ قِيَاساً عَلَى عَدَمِ قَوْلِ أُفٍّ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ (الْإِسْرَاءُ: ٢٣) بِالْأَوْلَى.

الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ

   الْمُجْمَلُ: مَا احْتَاجَ إِلَى الْبَيَانِ كَالْقُرُوءِ، فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ لِاشْتِرَاكِهِ بَيْنَهُمَا.

   وَالْبَيَانُ: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَهُوَ أَنْوَاعٌ:

١. الْأَوَّلُ: بَيَانٌ بِالْقَوْلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَوْمِ التَّمَتُّعِ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (الْبَقَرَةُ: ١٩٦)

٢. الثَّانِي: بَيَانٌ بِالْفِعْلِ، كَبَيَانِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.

٣. الثَّالِثُ: بَيَانٌ بِالْكِتَابِ، كَبَيَانِ مَقَادِيرِ الزَّكَاةِ وَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ، فَإِنَّهُ بَيَّنَهُمَا بِكُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ.

٤. الرَّابِعُ: بَيَانٌ بِالْإِشَارَةِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي ثَلَاثِينَ يَوْماً، ثُمَّ أَعَادَ الْإِشَارَةَ بِأَصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَحَبَسَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ.

الْبَابُ السَّابِعُ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ

   الْمُطْلَقُ: مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ.

   وَالْمُقَيَّدُ: مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدٍ مِنْ قُيُودِهَا.

اعْلَمْ أَنَّ الْخِطَابَ إِذَا وَرَدَ مُطْلَقاً يَبْقَى عَلَى إِطْلَاقِهِ وَإِنْ وَرَدَ مُقَيَّدًا يَبْقَى عَلَى تَقْيِيدِهِ. وَإِذَا وَرَدَ مُطْلَقاً فِي مَوْضِعٍ وَمُقَيَّداً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، كَالرَّقَبَةِ قُيِّدَتْ بِالْإِيمَانِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ (النِّسَاءُ: ٩٢) وَأُطْلِقَتْ فِي الْبَعْضِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (الْمُجَادَلَةُ: ٣)

الْبَابُ الثَّامِنُ فِي الْأَفْعَالِ

اعْلَمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومُونَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ ذَنْبٌ أَصْلاً لَا صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ لَا عَمْداً وَلَا سَهْواً.

وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الطَّاعَةِ أَوْ لَا يَكُونَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الطَّاعَةِ فَمَا كَانَ جِبِلِّيًّا مَحْضاً كَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ فَلَسْنَا مُتَعَبَّدِينَ بِهِ.

فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الطَّاعَةِ وَالْقُرْبَةِ فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِخْتِصَاصِ بِهِ حُمِلَ عَلَى الْإِخْتِصَاصِ كَالزِّيَادَةِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْأُمَّةِ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (النِّسَاءُ: ٣). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَسْلَمَ غَيْلَانُ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ).

وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِخْتِصَاصِ بِهِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ تُشَارِكُهُ فِيهِ أُمَّتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الْأَحْزَابُ: ٢١). وَلِذَلِكَ قَالُوا: الْأَصْلُ فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ الْإِقْتِدَاءُ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِخْتِصَاصِ بِهِ.

الْبَابُ التَّاسِعُ فِي إِقْرَارِهِ

إِقْرَارُهُ ﷺ عَلَى الْقَوْلِ مِنْ أَحَدٍ جُعِلَ كَقَوْلِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِهِ عَلَى الْفَاعِلِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ عَنْ أَنْ يُقِرَّ أَحَداً عَلَى مُنْكَرٍ، مِثَالُهُ إِقْرَارُهُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قَوْلِهِ بِإِعْطَاءِ سَلَبِ الْقَتِيلِ لِقَاتِلِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

وَإِقْرَارُهُ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ أَحَدٍ جُعِلَ كَفِعْلِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِهِ مِنَ الْفَاعِلِ وَغَيْرِهِ أَيْضاً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ عَنْ أَنْ يُقِرَّ أَحَداً عَلَى مُنْكَرٍ، مِثَالُهُ إِقْرَارُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى أَكْلِ الضَّبِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الضَّبِّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.

وَمَا فُعِلَ أَوْ مَا قِيلَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ وَعَلِمَ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا فُعِلَ أَوْ مَا قِيلَ فِي مَجْلِسِهِ.

الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي النَّسْخِ

   وَهُوَ لُغَةً: النَّقْلُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَسَخْتُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْ نَقَلْتُهُ بِشَكْلِ كِتَابَتِهِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لُغَةً: الْإِزَالَةُ، يُقَالُ نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ إِذَا أَزَالَتْهُ وَرَفَعَتْهُ بِانْبِسَاطِ ضَوْئِهَا.

   وَشَرْعًا: الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ.

وَيَنْقَسِمُ النَّسْخُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

١. نَسْخُ الرَّسْمِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ، نَحْوُ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْآيَةَ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ). وَقَدْ رَجَمَ الْمُحْصَنَيْنِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَهُمَا الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ.

٢. نَسْخُ الْحُكْمِ وَبَقَاءُ الرَّسْمِ. قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ (الْبَقَرَةُ: ٢٤٠) نُسِخَ بِآيَةِ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (الْبَقَرَةُ: ٢٣٤).

٣. نَسْخُ أَمْرَيْنِ مَعاً، كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ.

وَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي آيَتَيِ الْعِدَّةِ. وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، كَاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الثَّابِتِ بِالسُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّ اسْتِقْبَالَهُ فِي الصَّلَاةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (الْبَقَرَةُ: ١٤٤). وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (الْبَقَرَةُ: ١٨٠) نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﷺ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ).

الْبَابُ الْحَادِي عَشَرَ فِي التَّعَارُضِ

تَعَارُضُ النُّطْقَيْنِ فِي الْحُكْمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قَوْلَيِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْ مِنْ قَوْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

١. أَنْ يَكُونَ عَامَّيْنِ.

٢. أَنْ يَكُونَ خَاصَّيْنِ.

٣. أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا.

٤. أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ وَخَاصًّا مِنْ وَجْهٍ.

   فَإِنْ كَانَا عَامَّيْنِ: فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ أَمْ لَا. فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ وُجُوباً بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَالٍ مُغَايِرٍ لِمَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ. كَقَوْلِهِ ﷺ مَثَلًا: قَدْ أَفْلَحَ الْعُلَمَاءُ. وَقَالَ ثَانِياً: قَدْ خَسِرَ الْعُلَمَاءُ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ: قَدْ أَفْلَحَ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ. وَبِالثَّانِي: قَدْ خَسِرَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ، فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَيُنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ بِالْمُتَأَخِّرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي آيَتَيِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ. وَإِلَّا فَالتَّوَقُّفُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَيُعْمَلُ بِهِ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (النِّسَاءُ: ٣). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ (النِّسَاءُ: ٢٣). فَالْأُولَى يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِشُمُولِهِ لَهُمَا، وَالثَّانِيَةُ تُحَرِّمُ ذَلِكَ، فَتَوَقَّفَ فِيهِمَا سَيِّدُنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُمَا وَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ يَعْنِي الْأُولَى وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ يَعْنِي الثَّانِيَةَ. ثُمَّ رَجَّحَ الْفُقَهَاءُ التَّحْرِيمَ فَحَكَمُوا بِهِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ فَهُوَ أَحْوَطُ.

   وَإِنْ كَانَا خَاصَّيْنِ: فَكَمَا إِذَا كَانَا عَامَّيْنِ فَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ وُجُوبًا مِثَالُهُ حَدِيثُ: أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ). وَحَدِيثُ: أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ وَرَشَّ الْمَاءَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا فِي النَّعْلَيْنِ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ). فَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّشَّ فِي حَالِ التَّجْدِيدِ لِمَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ فِي الْغَسْلِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ وَفِي حَدِيثِ الرَّشِّ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ النَّظَافَةُ. وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُ غَسَلَهُمَا فِي النَّعْلَيْنِ وَسُمِّيَ ذَلِكَ رَشًّا مَجَازًا. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُعْلَمِ التَّارِيخُ يُتَوَقَّفُ فِيهِمَا إِلَى ظُهُورِ مُرَجِّحٍ لِأَحَدِهِمَا مِثَالُهُ مَا جَاءَ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ: مَا فَوْقَ الْإِزَارِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). وَجَاءَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ أَيِ الْجِمَاعَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ، الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ. فَتَعَارَضَ فِيهِ الْحَدِيثَانِ فَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ التَّحْرِيمَ احْتِيَاطاً وَبَعْضُهُمُ الْحِلَّ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْمَنْكُوحَةِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا. وَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ نُسِخَ الْمُتَقَدِّمُ بِالْمُتَأَخِّرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ.

   وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا: فَالْعَامُّ مُخَصَّصٌ بِالْخَاصِّ، مِثَالُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَحَدِيثُهُمَا: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ. فَيُخَصُّ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي سَوَاءٌ وَرَدَا مَعًا أَمْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ أَمْ جُهِلَ التَّارِيخُ.

   وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ وَخَاصًّا مِنْ وَجْهٍ: فَيُخَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخُصُوصِ الْآخَرِ، إِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ. وَإِلَّا فَيُطْلَبُ التَّرْجِيحُ فِيمَا تَعَارَضَا فِيهِ. مِثَالُ مَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ، مَعَ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ: الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ. وَالثَّانِي خَاصٌّ بِالْمُتَغَيِّرِ عَامٌّ فِي الْقُلَّتَيْنِ وَدُونَهُمَا. فَخُصَّ عُمُومُ الْأَوَّلِ بِخُصُوصِ الثَّانِي وَهُوَ التَّغَيُّرُ، فَيُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْقُلَّتَيْنِ بِالتَّغَيُّرِ، وَيُخَصُّ عُمُومُ الثَّانِي بِخُصُوصِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَوْنُهُ دُونَ قُلَّتَيْنِ. وَمِثَالُ مَا لَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُ عُمُومِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِخُصُوصِ الْآخَرِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ. فَالْأَوَّلُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ. وَالثَّانِي عَامٌّ فِي النِّسَاءِ فِي الْحَرْبِيَّاتِ وَالْمُرْتَدَّاتِ، فَتَعَارَضَا فِي الْمُرْتَدَّةِ هَلْ تُقْتَلُ أَمْ لَا؟ فَيُطْلَبُ التَّرْجِيحُ وَقَدْ رُجِّحَ بَقَاءُ عُمُومِ الْأَوَّلِ، وَتَخْصِيصُ الثَّانِي بِالْحَرْبِيَّاتِ بِحَدِيثٍ وَرَدَ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبَابُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الْإِجْمَاعِ

   الْإِجْمَاعُ لُغَةً: الِاتِّفَاقُ.

   وَاصْطِلَاحاً: اتِّفَاقُ كُلِّ مُجْتَهِدِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي عَصْرٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ.

وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ). فَلَوِ اجْتَمَعَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي عَصْرٍ عَلَى حُكْمٍ وَلَوْ حِيناً لَمْ يَجُزْ لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ مُخَالَفَتُهُ. وَيَصِحُّ الْإِجْمَاعُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَيَصِحُّ أَيْضاً بِقَوْلِ الْبَعْضِ أَوْ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ عَلَيْهِ وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ.

·    وَجَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحُرْمَةِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ كَافِرٌ قَطْعاً. لِأَنَّ جَحْدَهُ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ الشَّارِعِ فِيهِ.

·    وَجَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَشْهُورِ بَيْنَ النَّاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَحِلِّ الْبَيْعِ كَافِرٌ فِي الْأَصَحِّ.

·    وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ كَفَسَادِ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَلَوْ كَانَ الْخَفِيُّ مَنْصُوصاً عَلَيْهِ كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ لِخَفَائِهِ.

الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْخَبَرِ

وَالْخَبَرُ: الْمُرَكَّبُ الْكَلَامِيُّ الْمُحْتَمِلُ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِذَاتِهِ

وَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُتَوَاتِرٌ، وَآحَادٌ.

   فَالْمُتَوَاتِرُ: مَا رَوَاهُ لَنَا جَمْعٌ يَزِيدُ عَدَدُهُمْ عَلَى الْأَرْبَعَةِ وَيَمْتَنِعُ عَادَةً أَوْ عَقْلًا تَوَافُقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَهُوَ يُفِيدُ الْعِلْمَ.

   وَالْآحَادُ: مَا لَمْ تَبْلُغْ رُوَاتُهُ عَدَدَ الْمُتَوَاتِرِ، وَهُوَ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَلَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِشَرْطِ عَدَالَةِ رُوَاتِهِ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ وَالْمَجْهُولِ.

الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْقِيَاسِ

   الْقِيَاسُ لُغَةً: التَّشْبِيهُ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ.

   وَاصْطِلَاحًا: رَدُّ الْفَرْعِ إِلَى الْأَصْلِ لِعِلَّةٍ تَجْمَعُهُمَا فِي الْحُكْمِ، كَقِيَاسِ الْأَرُزِّ عَلَى الْبُرِّ فِي الرِّبَا بِجَامِعِ الطَّعَامِ. وَهُوَ حُجَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (الْحَشْرُ: ٢).

أَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ: (١) الْأَصْلُ (٢) وَالْفَرْعُ (٣) وَحُكْمُ الْأَصْلِ (٤) وَعِلَّةُ حُكْمِ الْأَصْلِ.

الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الْإِجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ

   الْإِجْتِهَادُ: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ.

الْفَقِيهُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ وَيُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطٌ:

١. الْبَالِغُ

٢. الْعَاقِلُ

٣. ذُو مَلَكَةٍ يُدْرِكُ بِهَا الْمَعْلُومَ

٤. ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى لُغَةً وَعَرَبِيَّةً مِنْ نَحْوٍ وَتَصْرِيفٍ وَأُصُولٍ وَبَلَاغَةٍ وَمُتَعَلِّقِ الْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظِ الْمُتُونَ.

وَيُشْتَرَطُ لِإِيقَاعِ الْإِجْتِهَادِ سِتَّةُ شُرُوطٍ:

١. كَوْنُهُ خَبِيراً بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يَخْرِقَهُ.

٢. وَكَوْنُهُ خَبِيراً بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي.

٣. وَبِأَسْبَابِ النُّزُولِ فَإِنَّ الْخِبْرَةَ بِهَا تُرْشِدُ إِلَى فَهْمِ الْمُرَادِ.

٤. وَبِشَرْطِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي.

٥. وَبِالصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ مِنَ الْحَدِيثِ لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي.

٦. بِحَالِ الرُّوَاةِ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ لِيُقَدِّمَ الْمَقْبُولَ عَلَى الْمَرْدُودِ.

وَمَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ يُسَمَّى مُجْتَهِدَ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَخْرِيجِ الْوُجُوهِ عَلَى نُصُوصِ إِمَامِهِ فِي الْمَسَائِلِ،

وَدُونَ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ مُجْتَهِدُ الْفُتْيَا، وَهُوَ الْمُتَبَحِّرُ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَرْجِيحِ قَوْلٍ لَهُ عَلَى آخَرَ أَطْلَقَهُمَا.

التَّقْلِيدُ أَخْذُ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ

وَيَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ التَّقْلِيدُ لِلْمُجْتَهِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النَّحْلُ: ٤٣ أَوِ الْأَنْبِيَاءُ: ٧) أَمَّا ظَانُّ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَكَذَا الْمُجْتَهِدُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلَغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ يَعْتَقِدُهُ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَرْجُوحًا ثُمَّ فِي الْمُسَاوِي يَنْبَغِي السَّعْيُ فِي اعْتِقَادِهِ أَرْجَحَ لِيَتَّجِهَ اخْتِيَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ.

ثُمَّ فِي خُرُوجِهِ عَنْهُ أَقْوَالٌ، أَحَدُهَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِبِ الْتِزَامُهُ، ثَانِيهَا يَجُوزُ وَالْتِزَامُ مَا لَا يَلْزَمُ غَيْرُ مَلْزُومٍ، ثَالِثُهَا لَا يَجُوزُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَيَجُوزُ فِي بَعْضٍ وَالْجَوَازُ فِي غَيْرِ مَا عَمِلَ بِهِ.

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ فِي الْمَذَاهِبِ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِيمَا يَقَعُ مِنَ الْمَسَائِلِ، فَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَفْسُقُ بِهِ.

اخْتُلِفَ فِي التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَيْ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَوُجُودِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ وَعَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِيمَانُ الْمُقَلِّدِ.

وَالتَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ إِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ أَخْذَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احْتِمَالِ شَكٍّ أَوْ وَهْمٍ بِأَنْ لَا يَجْزِمَ بِهِ فَلَا يَكْفِي لِإِيمَانِ الْمُقَلِّدِ قَطْعًا لِأَنَّهُ لَا إِيمَانَ مَعَ أَدْنَى تَرَدُّدٍ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ أَخْذَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لَكِنْ جَزْمًا فَيَكْفِي لِإِيمَانِ الْمُقَلِّدِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ فِي قَوْلِهِ لَا بَلْ يَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْإِيمَانِ مِنَ النَّظَرِ. فَلْيَجْزِمِ الْمُكَلَّفُ عَقْدَهُ بِأَنَّ الْعَالَمَ وَهُوَ سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ. وَلَهُ صَانِعٌ لِأَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ وَهُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِيمٌ لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَلَا انْتِهَاءَ.

حَقِيقَتُهُ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْحَقَائِقِ لَيْسَ هُوَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، لَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ وَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْقَدَرُ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنْهُ تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَإِرَادَتِهِ. عِلْمُهُ تَعَالَى شَامِلٌ لِكُلِّ مَعْلُومٍ جُزْئِيَّةٍ وَكُلِّيَّةٍ، وَقُدْرَتُهُ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَقْدُورٍ، مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ أَرَادَهُ وَمَا لَا فَلَا. بَقَاؤُهُ تَعَالَى غَيْرُ مُفْتَتَحٍ وَلَا مُتَنَاهٍ لَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودًا بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِ ذَاتِهِ وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ مِنْ قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ وَحَيَاةٍ وَإِرَادَةٍ أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا التَّنْزِيهُ لَهُ تَعَالَى عَنِ النَّقْصِ مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَكَلَامٍ وَبَقَاءٍ. وَمَا صَحَّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الصِّفَاتِ نَعْتَقِدُهُ ظَاهِرَ الْمَعْنَى مِنْهُ. وَنُنَزِّهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُشْكِلِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا أَنُؤَوِّلُ الْمُشْكِلَ أَمْ نُفَوِّضُ مَعْنَاهُ الْمُرَادَ إِلَيْهِ تَعَالَى مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتَفْصِيلِهِ لَا يَقْدَحُ فِي اعْتِقَادِنَا وَالتَّفْوِيضُ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَهُوَ أَسْلَمُ.

يُثِيبُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الطَّاعَةِ فَضْلًا، وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ غَيْرِ الشِّرْكِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَدْلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى ﴿٣٥﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى ﴿٣٦﴾ فَأَمَّا مَن طَغَى ﴿٣٧﴾ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٣٨﴾ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿٣٩﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿٤١﴾. إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وَجَازَ لَهُ تَعَالَى إِثَابَةُ الْعَاصِي وَتَعْذِيبُ الْمُطِيعِ وَإِيلَامُ الدَّوَابِّ وَالْأَطْفَالِ، لِأَنَّهُمْ مِلْكُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشَاءُ لَكِنْ لَا يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ لِإِخْبَارِهِ بِإِثَابَةِ الْمُطِيعِ وَتَعْذِيبِ الْعَاصِي كَمَا تَقَدَّمَ.

وَأَرْسَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رُسُلَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ وَخَصَّ مُحَمَّداً ﷺ بِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ: وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (الْأَحْزَابُ: ٤٠)، الْمَبْعُوثُ إِلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَكَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَفُسِّرَ بِالْجِنِّ وَالْإِنْسِ الْمُفَضَّلِ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ. وَبَعْدَهُ فِي التَّفْضِيلِ: الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.

مُهِمَّاتٌ

   وَالْإِيمَانُ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَلَا يُعْتَبَرُ إِلَّا مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنَ الْقَادِرِ.

   وَالْإِسْلَامُ: أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ وَلَا يُعْتَبَرُ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ وَالْفِسْقُ لَا يُزِيلُ الْإِيمَانَ.

·    وَالْمَيِّتُ مُؤْمِناً فَاسِقاً تَحْتَ الْمَشِيئَةِ إِمَّا أَنْ يُعَاقَبَ ثُمَّ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ بِمَوْتِهِ عَلَى الْإِيمَانِ. وَإِمَّا أَنْ يُسَامَحَ بِمُجَرَّدِ فَضْلِ اللَّهِ أَوْ مَعَ الشَّفَاعَةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.

·    وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِأَجَلِهِ.

·    وَالنَّفْسُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الْبَدَنِ مُنْعَمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً.

·    وَحَقِيقَةُ الرُّوحِ وَهُوَ النَّفْسُ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ ﷺ فَنُمْسِكُ نَحْنُ عَنْهَا وَلَا نُعَبِّرُ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَوْجُودٍ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْجُنَيْدُ وَغَيْرُهُ. وَالْخَائِضُونَ فِيمَا اخْتَلَفُوا: فَقَالَ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ، إِنَّهَا جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشْتَبِكٌ بِالْبَدَنِ اشْتِبَاكَ الْمَاءِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّهَا عَرَضٌ وَهِيَ الْحَيَاةُ الَّتِي صَارَ الْبَدَنُ بِوُجُودِهِ حَيّاً.

·    وَنَعْتَقِدُ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ وَسُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ وَالْحَشْرَ وَالصِّرَاطَ وَالْمِيزَانَ حَقٌّ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ الْيَوْمَ.

·    وَنَعْتَقِدُ أَنَّ خَيْرَ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتُهُ فَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ أُمَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

·    وَنَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَالِكاً وَأَبَا حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَابْنَ عُيَيْنَةَ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَالْأَوْزَاعِيَّ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيَّ وَسَائِرَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ فِي الْعَقَائِدِ وَغَيْرِهَا.

·    وَنَرَى أَنَّ طَرِيقَ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ سَيِّدِ الصُّوفِيَّةِ عِلْماً وَعَمَلاً وَصَحْبِهِ طَرِيقٌ مُقَوَّمٌ فَإِنَّهُ خَالٍ عَنِ الْبِدَعِ دَائِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ وَالتَّبَرِّي مِنَ النَّفْسِ وَمِنْ كَلَامِهِ الطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ مَسْدُودٌ عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا الْمُقْتَفِينَ آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

Berbagi

Postingan Terkait

Posting Komentar

Konfirmasi Penutupan

Apakah anda yakin ingin menutup pemutaran video ini?